المصدر: المدن
الأحد 19 تموز 2026 18:47:35
قال مركز "ألما" الإسرائيليّ للأبحاث إنّ مشروع الأنفاق الذي أنشأه حزب الله في لبنان يُعَدّ أحد أكبر مشاريع البنية التحتيّة العسكريّة تحت الأرض في المنطقة، مقدّرًا حجم الاستثمارات التي خُصّصت له خلال العقدين الماضيين بما يتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار.
وأوضح المركز أنّ هذه التقديرات تستند إلى معطيات أعدّها خبراء في الهندسة العسكريّة وإنشاءات البنية التحتيّة، استنادًا إلى ما نُشر وكُشف عن شبكة الأنفاق خلال السنوات الماضية، ولا سيّما منذ اندلاع الحرب في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023.
أنفاق هجوميّة باتّجاه الجليل
أفاد التقرير، الذي أعدّه رئيس قسم الأبحاث في المركز طال بئيري بالتعاون مع المهندس المدنيّ يهودا كفير، بأنّ الجيش الإسرائيليّ كشف، في كانون الأوّل/ديسمبر 2018، ستّة أنفاق هجوميّة تابعة لحزب الله كانت قد اخترقت الأراضي الإسرائيليّة.
وزعم التقرير أنّ هذه الأنفاق كانت معدّة لاستخدامها في عمليّة توغّل تنفّذها وحدة "الرّضوان" التابعة للحزب في منطقة الجليل، ضمن خطط هجوميّة كان يُفترض تفعيلها في حال اندلاع مواجهة واسعة.
مزاعم عن دعم إيرانيّ وكوريّ شماليّ
وأشار التقرير إلى أنّ مركز "ألما" سبق أن نشر، في آب/أغسطس 2021، دراسة بعنوان "أرض الأنفاق التابعة لحزب الله: الصّلة الكوريّة الشّماليّة والإيرانيّة"، تناولت ما وصفه بشبكة الأنفاق الاستراتيجيّة التي يمتلكها الحزب.
وبحسب الدّراسة، جرى تطوير المشروع بسرّيّة تامّة على مدى أكثر من عشرين عامًا، بدعم من إيران وكوريا الشّماليّة. وادّعى المركز أنّ الشبكة لا تقتصر على نوع واحد من الأنفاق، بل تشمل أنفاقًا استراتيجيّة وتكتيكيّة، وأنفاق اقتراب، وأخرى هجوميّة، فضلًا عن أنفاق يُرجّح أنّها أُعدّت للتّفجير.
ولفت التقرير إلى أنّ الحرب التي اندلعت في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 أدّت إلى كشف أجزاء واسعة من هذه الشبكة، بما في ذلك أنفاق استراتيجيّة داخل ما وصفه بـ"مراكز الثّقل العمليّاتيّة" لحزب الله في جنوب لبنان.
كما تحدّث عن أنفاق تهريب ممتدّة على الحدود اللّبنانيّة، السّوريّة، وأنفاق تكتيكيّة منتشرة في منطقة "الخطّ الأصفر" في جنوب لبنان، إضافة إلى أنفاق اقتراب في مناطق التّماس.
وأضاف أنّ الحرب كشفت، بحسب روايته، بنى تحتيّة عسكريّة تحت الأرض تضمّ مستودعات للأسلحة، ومنصّات لإطلاق الصّواريخ والطّائرات المسيّرة، معتبرًا أنّها تشكّل جزءًا أساسيًّا من منظومة متكاملة أطلق عليها اسم "أرض الأنفاق".
وأعلن المركز أنّه يعمل حاليًّا على إعداد مشروع بحثيّ شامل، هدفه رسم خريطة للشبكة، استنادًا إلى المنشآت التي كُشف عنها خلال الحرب الأخيرة.
استثمارات تُقدّر بمليارات الدولارات
بحسب التقرير، تشير تقديرات أعدّها خبراء في الهندسة العسكريّة والبنية التحتيّة إلى أنّ قيمة الاستثمارات التي ضخّها حزب الله في منشآته تحت الأرض خلال العقدين الماضيين تتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار.
ورأى معدّا التقرير أنّ أيّ تقديرات تقلّ عن هذه الأرقام لا تعكس، من وجهة نظرهما، الحجم الحقيقيّ للمشروع، ولا تأخذ في الاعتبار المتطلّبات الهندسيّة واللّوجستيّة اللازمة لإنشاء شبكة بهذا الاتّساع والتّعقيد.
وأوضحا أنّ المشروع لا يتكوّن من أنفاق منفردة فحسب، بل من منظومات دفاعيّة مترابطة تحت الأرض، تضمّ مسارات قتاليّة متّصلة، ومستودعات للتّخزين، وغرف قيادة، وأماكن لإقامة المقاتلين.
وادّعى التقرير أنّ شبكات واسعة حُفرت تحت عدد من القرى في جنوب لبنان، ولا سيّما القرى ذات الغالبيّة الشّيعيّة، وأنّها تضمّ عشرات المداخل والمنشآت المترابطة.
كلفة مرتفعة للحفر في الصّخور
أشار التقرير إلى أنّ طبيعة الصّخور الكلسيّة والدّولوميتيّة الصّلبة في جنوب لبنان، وخصوصًا في مناطق جبل الشّقيف وعلي الطّاهر، فرضت استخدام معدّات حفر ثقيلة، وتقنيّات تعتمد على الحفر والتّفجير.
وأضاف أنّ تنفيذ الأنفاق استلزم أعمال تدعيم واسعة باستخدام هياكل فولاذيّة وشبكات معدنيّة وخرسانة مرشوشة، بهدف منع الانهيارات وتأمين متانة المنشآت تحت الأرض.
وبحسب تقديرات التقرير، لا يمكن حصر كلفة إنشاء نفق تكتيكيّ محصّن ببضع مئات آلاف الدولارات، إذ تتراوح كلفة إنشاء المتر الواحد من نفق صغير ومعقّد تقنيًّا، وفق معايير الهندسة المدنيّة، بين ألفي دولار وخمسة آلاف دولار.
وقد ترتفع الكلفة، بحسب المركز، بسبب متطلّبات السرّيّة وإخفاء أعمال الحفر، ما يعني أنّ إنشاء نفق بطول كيلومتر واحد قد يكلّف ما بين مليونَي دولار وخمسة ملايين دولار، من دون احتساب التّجهيزات الداخليّة.
منشآت مجهّزة بأنظمة هندسيّة معقّدة
أوضح التقرير أنّ النّفق العسكريّ لا يقتصر على كونه ممرًّا تحت الأرض، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تتيح لعشرات المقاتلين الإقامة والعمل داخله لفترات طويلة.
وتشمل هذه المنظومة، وفق التقرير، غرف قيادة، ومستودعات للأسلحة، ومنصّات إطلاق، ومنشآت لوجستيّة، فضلًا عن أنظمة تهوية وتنقية للهواء، مهمّتها خفض مستويات ثاني أكسيد الكربون وتأمين الأكسجين.
كما تتطلّب المنشآت شبكات لتصريف المياه الجوفيّة وضخّها، بسبب الطبيعة الكارستيّة للصّخور في جنوب لبنان، إلى جانب شبكات للكهرباء والإنارة، واتّصالات سلكيّة مشفّرة، ومولّدات احتياطيّة، وأنظمة للمياه والصّرف الصحّيّ.
وأشار التقرير إلى أنّ كلفة هذه الأنظمة وحدها قد تصل إلى ملايين الدولارات في كلّ منشأة، بصرف النّظر عن نفقات الحفر والتّدعيم.
تحدّيات إخفاء مخلفات الحفر
في ختام التقرير، قال معدّاه إنّ المشروع تطلّب عمليّات لوجستيّة معقّدة لإخفاء مئات آلاف الأطنان من الصّخور والتّربة الناتجة عن الحفر، ونقلها بسرّيّة لتجنّب رصدها بوسائل الاستطلاع الجوّيّ.
ورجّحا أنّ عمليّات النّقل نُفّذت باستخدام الشّاحنات خلال ساعات اللّيل، وأنّ مخلّفات الحفر وُزّعت على مواقع متعدّدة، أو استُخدمت في ردم الأودية والمقالع البعيدة.
وخلص التقرير إلى أنّ التخلّص من هذه الكمّيّات الكبيرة، من دون كشف مواقع الحفر، شكّل أحد أبرز التّحدّيات اللّوجستيّة التي واجهت المشروع، وهي تحدّيات تفوق، بحسب المركز، ما تواجهه مشاريع الهندسة المدنيّة التّقليديّة.