المصدر: نداء الوطن
الكاتب: طوني عطية
السبت 15 آب 2026 07:39:19
في الشريط الحدودي، للأعياد مذاق مختلف. الفرح عندهم ليس لهوًا ولا ترفًا، ولا استراحة من مشقّات الأيام، بل هو فرصة لاقتناص الحياة من بين أنياب الحروب. أن تُضاء شمعة في قرى عاشت ليالي القصف، وأن ترتفع ترنيمة في مكان اعتاد هدير الطائرات، وأن يجتمع الناس حول "مريم" بعدما فرّقتهم "إسنادات الآخرين" وقطعت أوصالهم عن سائر الوطن، فذلك كلّه يصبح فعلَ رجاء وبطولة.
يكتسب عيد انتقال السيدة العذراء، في "المنطقة الصفراء" معنى آخر. فكما يحمل "الانتقال" في الإيمان معنى العبور إلى المجد، يحلم أهل هذه القرى بانتقالهم هم أيضًا من زمن الحرب إلى زمن مريم أي السلام.
كان "الانتقال" يتحوّل في قرى الجنوب كما في كلّ لبنان إلى ما يشبه الحجّ السنوي. المغتربون يضبطون مواعيد سفرهم إلى لبنان على توقيت مريم، والعائلات تصعد من بيروت إلى بلداتها، فتضيق الطرق بزحمة العائدين، وتمتلئ القرى بالصلوات والترانيم والتطوافات والسهرات والحفلات، ويحوّل أيام آب إلى موعد حبّ مع الأرض والأهل والذكريات.
من هنا، قرّرت "كاريتاس لبنان" أن تعيد وصل ما قطعته الحرب، فتنظّم بالتنسيق مع البلديات "موكب مريم" للعائلات من دبل ورميش وعين إبل الراغبة في الصعود اليوم من بيروت إلى قراها للاحتفال بعيد السيدة. ويضمّ الموكب، وفق ما كشفه المنسّق العام لشبيبة كاريتاس لبنان وجهاز الطوارئ، د. بيتر محفوظ، حوالى 30 سيارة. وأشار، في حديث لـ"نداء الوطن"، إلى أن راعي أبرشية صور للموارنة المطران شربل عبد الله، سيترأس قداسًا احتفاليًا، اليوم عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا، في كنيسة السيدة في عين إبل، في ختام أسبوع مخصّص لهذه المناسبة.
ويقول محفوظ إن هذه المبادرة تأتي في إطار مواكبة أهالي القرى الحدودية، وتشجيعهم على العودة إلى بلداتهم والتشبث بأرضهم والحفاظ على حضورهم فيها، من خلال الصلاة معهم وبثّ الرجاء في نفوسهم، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يمرّون بها. وتؤكد "كاريتاس" من خلال مشاركتها في هذه المناسبة وقوفها إلى جانب الأهالي ومواكبتهم، إنسانيًا واجتماعيًا، ودعمهم في مسيرة العودة واستعادة حياتهم الطبيعية في قراهم.
أما عين إبل، التي تظلّلها شفاعة العذراء وتحمل رعيتها وكنيستها اسمها، فلطالما تحوّلت في هذا العيد إلى قبلة لأبناء المنطقة. ولم تستسلم للظروف ولا للواقع الذي فرضته الحرب، فبهمّة شبيبتها وبلديتها وكهنتها ورعيتها، بقيت تحافظ على العيد وطقوسه وعلى شعلة الرجاء في قلبها. لكن خلف هذا الإصرار غصّة لا تغيب، فالبلدة التي كانت تضيق في مثل هذه الأيام بأبنائها المغتربين والقادمين إليها من بلاد بعيدة، تكاد تفتقدهم هذا العام. وبحسب رئيس بلديتها أيوب خريش، لم يتمكّن سوى اثنين أو ثلاثة من المغتربين من الحضور إلى عين إبل للمشاركة في العيد.
ومع ذلك، شهدت عين إبل ودبل ورميش خلال الأسابيع المنصرمة حركة صعود لافتة لأبنائها، بفضل المواكب التي تنظّمها "كاريتاس". والمؤثّر في هذا المشهد، أن الأهالي ينتظرون هذه المواكب في كلّ مرة عند مداخل بلداتهم، ويستقبلون القادمين بحرارة تشبه لهفة من يترقّب وجهًا عزيزًا آتيًا من بعيد بعد غياب طويل. يقول لهم إنهم غير منسيين، وإن قراهم ليست متروكة، وإن ثمة من لا يزال يقصدهم ليشاركهم الصمود.
وإذا كان وصول "الزوّار" يخفّف شيئًا من وطأة العزلة، فكيف حين تكون الوافدة الدائمة، أو بالأحرى المقيمة الأزلية بينهم، هي السيدة العذراء؟ تطوف شوارع عين إبل ورميش ودبل وساحاتها، وتمرّ على جراح القوزح وعلما ويارون، وكل القرى واحدة واحدة، لتبلسمها. تعبر قرب البيوت التي تصدّعت، والأراضي التي أحرقتها الحروب، وتحمل معها رجاءً يحتاج إليه الناس اليوم أكثر من أي وقت مضى.
في الخلاصة، لطالما عرف مسيحيو الشريط الحدودي كيف يصنعون الحياة وينسجون معانيها، ليس لأنهم يجهلون الخوف والقلق والمعاناة، فهم يعرفونها جيدًا، لكنهم يرفضون أن يمنحوها الكلمة الأخيرة، ما دام في الجنوب من يضيء شمعة وترافقه العذراء مريم.