مطار القليعات أكبر من أن يُبتلع

تتأهب المنطقة لحرب محتملة قد تمتد شظاياها من شواطئ بحر قزوين حتى البحر المتوسط مروراً بالخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، وتنذر إعادة صياغة المنطقة التي اجتازت مراحلها الأولى في كلّ من غزة وسوريا ولبنان ـــــــــ بالرغم من فداحة الخسائر ــــــــ بمزيد من العمليات العسكرية. تستمد المواجهة المرتقبة واقعيتها وحتميتها من عدم قدرة طهران على الرضوخ لشروط واشنطن القاسية التي ستعيدها إلى داخل حدودها، ومن إدراك واشنطن بالمقابل أن الظروف الدولية والإقليمية المتاحة حالياً للمواجهة قد لا تتوفر مجدداً.

وفيما تظهر وسائل الإعلام حراكاً رسمياً غير مسبوق في كل دول المنطقة لمواكبة المستجدات واستدراك التداعيات، لا يبدي لبنان الرسمي أي أهلية لاحتواء خطاب حزب الله والمضي بحصرية السلاح تطبيقاً لاتّفاق وقف إطلاق النار وبسط سيادة الدولة، في تجاهل تام لواقع الساحة اللبنانية الهشة المنفتحة بشكل دائم على الإستجابة للمواجهات المرتقبة في الإقليم. ومع استمرار حالة الإنكار وتوقف كل المبادرات العربية لإعادة إعمار  المنازل التي دمرت نتيجة خلال حرب الإسناد وآخرها مبادرة دولة قطر، سجّلت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة جنوحاً متجدداً لتجاوز القانون واستباحة المصلحة الوطنية تحت صياغات أقل ما يقال فيها أنها محاصصة مقنعة وغبية في آن.

 لقد ورد في جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء في البند 25 وتحت عنوان «بنود مختلفة» ما يلي: «طلب وزارة الأشغال العامة والنقل تكليف مجلس الإنماء والإعمار التعاقد مع شركة «”MEAS للقيام بأشغال التأهيل والصيانة الأولية للبدء بتشغيل مطار القليعات (رينيه معوض). أما في مسوّغات الطلب فقد أورد كتاب وزارة الأشغال المغالطات التالية:

1 -  أن شركة «MEAS» تشكل الجهة الوحيدة التي تمتلك الخبرة العملية المتكاملة في إدارة وتشغيل مطار مدني لبناني وفق الأنظمة والمعايير المعمول بها حالياً، لإنجاز أعمال صيانة وتأهيل وتشغيل فورية ومتخصصة لمرافق المطار وبناه التحتية، بما يشمل المدرج، مباني الركاب، الأنظمة التقنية والتشغيلية تجهيزات السلامة والأمن، وأنظمة الملاحة الجوية والخدمات الأرضية، وذلك وفقاً لمتطلبات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمعايير الدولية المعتمدة لإعادة تشغيل المطارات المدنية.

2- حيث أن قانون الشراء العام، ولا سيما المادة 46 الفقرة الأولى منه، يجيز اللجوء إلى العقد الرضائي في الحالات التي يتبين فيها وجود متعهد وحيد قادر على تنفيذ الأشغال المطلوبة لأسباب تقنية أو فنية أو تشغيلية مبررة.

لا بد أمام ما ورد في كتاب وزارة الأشغال من طرح التساؤلات التالية:

1 - في التهرب من تطبيق قانون الشراء العام: لقد حدّدت المادة 46 من القانون المذكور الظروف الإستثنائية التي تجيز للجهة الشارية (الدولة اللبنانية)أن تقوم بعقد رضائي وهي: 

أولاً، عدم توفُّر موضوع الشراء إلّا عند مورِّد أو مقاول واحد، أو عندما تكون لـمورّد أو مقاول حقوق ملكية فكرية في ما يخصّ موضوع الشراء، ويتعذّر اعتماد خيار أو بديل آخر، وثانياً، في حالات الطوارىء والإغاثة من جراء وقوع حدث كارثي وغير مُتوقَّع، وهذان الشرطان غير متوفران لإجراء عقد رضائي مع شركة (MEAS). هذا بالإضافة أن الشركة المذكورة التي تقوم بصيانة منشآت مطار رفيق الحريري الدولي ليس لديها أي تجربة سابقة أو خبرة في إقامة المدارج ومباني الركاب، واستقدام الأنظمة التقنية والتشغيلية وتجهيزات السلامة والأمن، وأنظمة الملاحة الجوية والخدمات الأرضية. وهنا يُطرح السؤال المقلق حول عدم دعوة الشركات التي أبدت اهتمامها منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم بالإستثمار في مطار القليعات والإشتراك بالمناقصة والتي لديها ما يكفي من الخبرات في إقامة وتجهيز عشرات المطارات حول العالم؟

2 - كيف يمكن التوفيق بين الدعوات المتكرّرة التي يوجّهها لبنان إلى المستثمرين من الدول العربية والغربية للاستثمار في اقتصاده، وبين التهرّب من تطبيق قانون الشراء العام في آنٍ واحد؟ ولا سيّما أنّ هذه الدعوات يكرّرها باستمرار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء، سواء خلال مشاركاتهم في المؤتمرات الاقتصادية المنعقدة في لبنان أو خارجه، أو في إطار الزيارات الرسمية المتبادلة.>

3 - لقد كرّر معالي وزير الأشغال مراراً أن تأهيل مطار القليعات أضحى من مهمة الهيئة الناظمة بعد أن شُكلت، فأين هو دور الهيئة ولماذا لم يكن لها أي تدخل في تبرير إجراء العقد الرضائي مع شركة «MEAS»؟

4 -  لقد ورد في كتاب وزارة الأشغال العامة والنقل تحويل الدفعة الأولى لتنفيذ الأعمال المطلوبة لزوم العقد بين مجلس الإنماء والإعمار وشركة MEAS وذلك بقيمة خمسة عشر مليون دولار أميركي، سنداً لأحكام المرسوم رقم 11756 تاریخ 8/1/1963. وهنا يطرح أكثر من سؤال: هل هناك دفتر شروط تم إعداده؟ ألا يستوجب القانون عرضه على هيئة الشراء العام حتى عند إجراء عقد رضائي؟ وما هي قيمة الأعمال للمشروع برمّته، وهل يمكن تقديرها دون مناقصة، وما هو الضامن لتوفر الأموال في المراحل اللاحقة؟ ثم لماذا توفرت الأموال لشركة «MEAS»  ولم تتوفر لــ»دار الهندسة» التي أثنى الوزير رسامني على مساهمتها بإعداد دفتر الشروط مجاناً لعدم توفر الأموال؟

يعلم الجميع أن مشروع تأهيل مطار القليعات أصبح يستنفر ذاكرة اللبنانيين، كل اللبنانيين الذين نظروا بتفاؤل إلى هذا المشروع الواعد، كما آمنوا بالخطوات الطموحة لدولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ولمعالي وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني. اللبنانيون الذين واكبوا تصريحات الوزير المتكررة حول إبداء أكثر من 20 شركة عربية ودولية الرغبة في الإستثمار في المطار، كما تحملوا المواربات السياسية التي رافقت تعديل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) يعتريهم القلق إزاء التسويف غير المبرّر في إعداد دفتر الشروط وعدم المبادرة إلى إطلاق المناقصة واللجوء للتعاقد بالتراضي خلافاً للقانون.
لقد نجا مطار القليعات من محاولة لابتلاعه، كما نجت وزارة الأشغال من فخ أعدته إرادات خبيثة عادت لتُطبق على محاولات إخراج الإدارة العامة من فسادها المزمن ليتعذر بعدها إقناع المستثمرين بأن هناك شفافية ونزاهة ومساءلة في لبنان؟

فهل يتيح تأجيل البت بطلب وزارة الأشغال العامة والنقل الى الأسبوع القادم للجميع مراجعة مواقفهم وضمائرهم!!!!