مطالعة من الرابطة المارونية في ضرورة تصحيح التشويه الذي لحق بهوية بعض الأدباء المهجريّين اللبنانيّين

أوضح الدكتور طانيوس نجيم مقرر اللجنة الثقافية في الرابطة المارونية في مطالعة لضرورة تصحيح التشويه الذي لحق بهوية بعض الأدباء المهجريّين اللبنانيّين أنّه:

"طالعتنا الأخبار مؤخراً أن بلدية نيويورك، في إطار مشروع ثقافي وتاريخي، بعنوان " القلم: شعراء في الحديقة العامة"، وبمبادرة قامت بها جمعية "شارع واشنطن التاريخية"، دشّنت  نصباً تذكارياً لشعراء وأدباء من الرابطة القلمية، بينهم نعوم مكرزل وعفيفة كرم وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة ورشيد أيوب وجبران خليل جبران؛ وقد اقترن النصب بلوحة تعريفية تحت عنوان " الشعراء السوريون". يقدّر رئيس  الرابطة المارونية، المهندس مارون الحلو باسم المجلس التنفيذي في الرابطة، مجتمعاً، الجمعية على مبادرتها وتحقيقها المشروع، والبلدية على  اهتمامها وتدشينها النصب التذكاري. إلاّ أن الرابطة الحريصة على الحقيقة وصون الحقوق المسيحية بخاصة واللبنانية بعامة، ترفض رفضاً قاطعاً التشويه المؤسف الحاصل في اللوحة التعريفية والذي ينزع عن هؤلاء الأعلام هويتهم اللبنانية الأصيلة ويضفي عليهم هوية " الشعراء السوريون"؛ كما تتمنّى على المعنيين بهذا الموضوع المبادرة إلى الإيعاز للمسؤولين عن هذا التشويه بإزالته وتصحيحه بأسرع وقت ممكن.       

في الوقائع:

في إطار مشروع ثقافي وتاريخي بعنوان" القلم: شعراء في الحديقة العامة -نيويورك، في "ساحة اليزابيت برغر " في منطقة منهاتن، وبمبادرة قامت بها جمعية "شارع واشنطن التاريخية"،  دشّنت بلدية نيويورك مؤخراً نصباً تذكارياً لشعراء وأدباء من الرابطة القلمية، بينهم نعوم مكرزل وعفيفة كرم وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة ورشيد أيوب وجبران خليل جبران، وقد اقترن النصب بلوحة تعريفية تحت عنوان " الشعراء السوريون" في حين أن هؤلاء الأعلام ينتمون إلى لبنان تاريخاً وهويةً ومحتوى أدبياً، وكان لهم دور محوري في رسم معالم القضية والدفاع عن هوية لبنان الثقافية والحضارية في المهجر.

في موجبات التصحيح:

- لما كانت اللوحة التعريفية بهؤلاء الأعلام، قد أغفلت أيّ إشارة إلى الهوية اللبنانية الأصيلة والصريحة لهؤلاء الأدباء، المرتكزة أساساً على هوية الأماكن الجغرافية للقرى التي ينتسبون إليها، وعلى أقوالهم وكتاباتهم التي يعبّرون من خلالها، بكل فخر واعتزاز عن هويتهم وانتمائهم اللبناني، بصراحة لا تحتمل أي التباس أو تأويل، بينما تكتفي اللوحة التعريفية المذكورة ، بإشارة ملتبسة تشويهية - بعمد أو غير عمد-  إلى هوية هؤلاء الأدباء بوصفهم "كتاباً سوريين" و"جالية ناطقة بالعربية من سوريا الكبرى"؛    

- ولما كانت المعاني العديدة التي تتّخذها كلمة واحدة وفق الظروف التاريخية والتطوّرات اللغوية، ما قد يؤدّي إلى التباسات مضلّلة وخطيرة، يتحتّم علينا تحديد معاني أي كلمة - ولاسيّما سوريا -  قبل استخدامها، منعاً للوقوع في أيّ التباسٍ أو خطإ أوانقياد إلى تضليل كلامي متعمّد أو غير متعمّد. لكلمة سوريا معان مختلفة تحدّدها ظروف استخدامها التاريخية والصفات التي تُلصَق بها.  في حقبة  الإمبراطورية الرومانية التي بسطت تدابيرها الإدارية على الأماكن والشعوب التي سيطرت عليها،  كانت تقسم سوريا إلى مقاطعات بينها سوريا الأولى، وسوريا الثانية أو المجوّفة. في حقبة سيطرة  السلطنة العثمانية، درجت العادة على تقسيم سوريا وبعض أجزاء من لبنان، إلى ولايات عثمانية، باستثناء إمارتيْ لبنان: المعنية والشهابية؛ ومن ثمّ     متصرّفية جبل لبنان الحائزة على استقلال نسبي بضمانة الدول العظمى في حينه. من هنا، راجت، في بعض المغتربات، سهولة تلقيب هذه المناطق بالسورية العثمانية والقادمين منها بالتركي: “Turco” أو "السوري"؛ وقد يكون، على هذا الأساس، تمّ التعريف بمحلّة في نيويورك قطنها شرقيون، تحت عنوان "سوريا الصغرى"، وذلك طبعاً  قبل القرن العشرين، وبالتحديد قبل الحرب العالمية الأولى. أما اليوم، وفي ما نحن بصدده، فتتّخذ الكلمة أكثر دقة:  1- معنى "سوريا الكبرى": بلاد الشام، وفي لغة حزب سياسي معيّن: مجموعة بلدان "الهلال الخصيب"؛  2-  "سوريا الصغرى": إسم أُطلَق، في مرحلة معينة،على محلّة (شارع أو حيّ) في مدينة نيويورك قد يكون بين من قطنوا فيها، بشكل آني عابر، شعراء وأدباء لبنانيون مهجريون من الرابطة القلمية  في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. 3-  "سوريا الدولة" هي دولة سوريا الحالية بحدودها الدقيقة والواضحة المعترف بها دولياً منذ الانتداب الفرنسي، ولها هويتها الخاصة المحصورة بأبنائها .

-ولمّا كانت هوية الشعب والحدود والأرض اللبنانية تستثير اليوم، في مناخ العنف والنزاعات والمخططات التي ترتسم في الشرق الأوسط، أطماعاً واعتداءات خارجية، واضطرابات داخلية؛

- ولمّا كان اللبنانيون متشبّثين بهويتهم وجذورهم التاريخية، متمسكين بكامل أرضهم ضمن حدودهم التاريخية، وفخورين بتراثهم الثقافي وإنجازات أعلامهم ، روّاد النهضة العربية، ولاسيما الأدباء والشعراء المهجريّين، أعلام الرابطة القلمية؛

- ولمّا كانت الرابطة المارونية حريصة على صيانة هوية هؤلاء الأعلام اللبنانين من أيّ افتئات عليها، وعلى تاريخهم الثقافي والحضاري من أيّ طمس أو إغفال، وعلى انتماء هؤلاء العباقرة من أي تشويه أو نسيان، هم الذين صنعوا أمجادنا وثروتنا وتركوا لنا إرثاً لا يفنى من الكنوز الثقافية والإنسانية، وصنعوا سمعة مشرّفة للبنان بين الأمم المتحضرة ؛     

- وعليه، ينكشف خطأ اللوحة التعريفية او الالتباس الذي وقعت فيه بلدية نيويورك ً - بعمد أو غير عمد!- مستبدلة الهوية اللبنانية الأصيلة لأعلام لبنانيّي الأصل والمنشأ والتاريخ، بالهوية السورية المحصوَرة بالمواطنين المنتمين إلى الدولة السورية المحدّدة بدقّة في أيامنا، والتي أطلقتها عليهم البلدية  لمجرّد سكنهم الآني والعابر  في  محلّة في نيويورك عُرِفت بسوريا الصغرى، 

لكل هذه الموجبات، تصدر الرابطة المارونية هذه المطالعة المثبتة جغرافياً وتاريخياً وأدبياً:

-         في الجغرافيا والتاريخ، ينتمي الأعلام الذين وسمتهم اللوحة التعريفية ب"الكتاب السوريين"، إلى قرى تقع كلها" ، أقلّه في حقبة  "متصرفية جبل لبنان" التاريخية، داخل حدود هذه المتصرفية. في هذا السياق، نبرز انتماء الأعلام المذكورين بواقعية علمية مثبتة:

·        إيليا أبوماضي ( 1889-1957): من قرية المحيدثة في قضاء المتن الشمالي، في محافظة جبل لبنان .

·        رشيد أيوب ( 1871-1941):    من قرية بسكنتا  في قضاء المتن الشمالي، في محافظة جبل لبنان.

·        نعوم مكرزل (1864- 1932): من قرية الفريكة في قضاء المتن الشمالي في محافظة جبل لبنان.

·        ميخائيل نمعيمة (1889-1988):    من قرية بسكنتا  في قضاء المتن الشمالي، في محافظة جبل لبنان.

·        أمين الريحاني (1876-1940) : من قرية الفريكة في قضاء المتن الشمالي في محافظة جبل لبنان.

·        عفيفة كرم (1883-1924) : من قرية عمشيت في قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان .

·        جبران خليل جبران (1883-1931) من قرية بشرّي في قضاء بشرّي في محافظة لبنان الشمالي.

 

-         في خصوصية المحتوى الأدبي والمعنوي الهادف، والفخر بالهوية اللبنانية، نورد مختارات من أقوال الأعلام وكتاباتهم، بليغة وكفيلة بإزالة التشويه في اللوحة التعريفية وإثبات الحقيقة ساطعة نقيّة:

 

·        إيليا أبوماضي: من أشهر قصائده في الحنين إلى الوطن والطفولة :

                     "وطن النجوم أنا هنا              حدّق أتذكر من أنا؟

                             أنا ذلك الولد الذي                دنياه كانت هاهنا"

        ومن أبياته التي تعبّر عن عاطفة المهاجر اللبناني الذي بقي مرتبطاً بوطنه على الرغم من البعد:

                         "ذكرتُ ربوعَك فاهتزَّ الفؤادُ لها        شوقاً ، وما الشوقُ إلا لوعةُ الألمِ".

         كما  يخاطب لبنان عبر صورة تمزج قداسة الأرض اللبنانية بعمقها التاريخي والأسطوري:

                       "لبنانُ  يا خمرةَ الربِّ التي سُكِبت        في الكأس من عَصْر نوحٍ يومَ قد عَصَرا ِ"

 

·        جبران خليل جبران : ظهر حب جبران لوطنه لبنان في رسائله وتصوصه الأدبية وقصائده . من العبارات المشهورة في هذا المجال، ما أورده  في مقالته: "لكم لبنانكم ولي لبناني" حيث يتغنّى بلبنان الذي يحمله في وجدانه: لبنان الحرّ والجمالي والإنساني.

من كلماته المعبّرة التي تظهر علاقته العميقة بطبيعة لبنان وهويته الأولى المرتبطة بالأرض والجبل :

 " أنا ابنُ لبنان ، ابنُ الجبال الشامخة ، والأودية الصامتة، والينابيع الجارية." 

ومن نصوصه المعبّرة عن الحنين: "إذا ذُكر لبنانُ في حضرتي، شعرتُ بأن قلبي يعود طفلاً بين أرزه وثلوجه."

وفي وصفه للبنان الروحي، قال: "لبنان كلمةٌ من كلمات الله." في نظره، لبنان مساحة جمال وروح وحرية، لا مجرّد وطن جغرافي.  

ومن أشهر ما كتب، عبارتان أصبحتا جزءاً من الذاكرة الأدبية اللبنانية:

                                " لولم يكن لبنان وطني ، لاتخذت لبنان وطني"

                                "أرز لبنان هو رمزالشعب الذي لا ينحني"

ومن الجدير بالذكر رغبته بالعودة إلىى لبنان حتى بعد الموت، إذ رأى في لبنان "موطن الروح" لا مجرّد مكان الولادة. من هنا كانت وصيته بأن يُدفَن في لبنان وتحديدا ًفي صومعة دير مار سركيس في مسقط رأسه بشري. بعد وفاته سنة 1931، نُقل جثمانه إلى لبنان سنة 1932 تنفيذا لرغبته، واشترت شقيقته ماريانا الدير القديم ليصبح مثواه الأخير، وقد تحوّل المكان اليوم إلى متحف جبران، وهو يضم قبره ومخطوطاته ورسوماته ومقتنياته الشخصية.  

 

·        أمين الريحاني: - كان يرى في الأرز رمزاً للحرية والشموخ والاتصال العميق بالأرض:

                              "الأرز هيبة لبنان الخالدة وجلالُه الصامت . يقف على الجبال كأنه حارسُ الأزمنة، لا           تعبث به الرياح ولا تنال منه القرون."

                 - في كتابه"قلب لبنان" يعبّر عن حبه للبنان وطنه بصورة عميقة ومليئة بالتأمل:

"لبنان ليس وطناً صغيراً، ولكنه عالم صغير" يلخّص هذا الاقتباس نظرة الريحاني إلى لبنان باعتباره مساحة للتنوع الثقافي والروحي والفكري:

"في لبنان شيء من روح الخلود؛ في أرزه ، في صخوره، وفي قلوب أبنائه". تربط هذه العبارة بين طبيعة لبنان وهويته الإنسانية ، وكأن الأرض والناس يحملون الروح نفسها.

 

·        نعوم مكرزل : كان من أبرز أصوات المهجر اللبناني. اشتهر بدفاعه عن الهوية اللبنانية واستقلال لبنان الثقافي والسياسي خصوصاً عبر صحيفته " جريدة الهدى".

من أقواله المعبرة عن تعلقّه بلبنان " لبنان وطن صغير، ولكنه لأبنائه عالم كبير."

وفي حديثه عن الاغتراب والهوية اللبنانية، قال: "قد يبتعد اللبناني عن أرضه ، لكنه لا يبتعد عن لبنان الساكن في قلبه."

دافع بقوة عن خصوصية لبنان الثقافية : "الأمم تُبنى بالعلم والحرية، ولبنان خُلق ليكون منارةً بين الشرق والغرب."

كان يربط الأرز بالهوية اللبنانية والكرامة الوطنية ، ومن عباراته المتداولة في هذا المجال:

"إذا زال الأرز من لبنان زال معه مجدٌ من أمجاد الشرق"

وكان يعتبر الأرز:

"راية طبيعية للبنان قبل أن يكون مجرد شجر"

 

·        عفيفة كرم: كتبت كثيراً عن حنينها إلى وطنها لبنان وانتمائها العميق له، على الرغم من اغترابها الطويل في الولايات المتحدة . كانت من أوائل الأديبات المهجريات اللواتي جعلن الوطن محوراً وجدانياً في كتاباتهنّ وظهر ذلك في مقالاتها وقصائدها ورسائلها.

من أجمل ما يُنسَب إليها في التعبير عن التعلق بلبنان:

"لبنان يسكن القلب وإنْ باعدتْ بيننا البحار، فالغربة تُبعِد الجسدَ لا الروح."

وفي كتاباتها المهجرية كانت تصف لبنان بأنه:

"الوطن الصغيرالذي يتّسع للذكريات كلها."

كما كانت ترى أن المهاجر اللبناني يحمل وطنه معه أينما ذهب ، وأن اللغة والذاكرة هما "جسر العودة" الروحي إلى لبنان. وقد ظهر هذا الحنين بوضوح في مقالاتها المنشورة في مجلتها العالم الجديد، حيث دافعت عن الهوية اللبنانية والعربية، وكتبت عن القرية اللبنانية والطبيعة والاغتراب.

 

·        ميخائيل نعيمة: يُعدّ من أكثر أدباء المهجر ارتباطاً روحياً بلبنان ، وقد ظهر ذلك في كتبه التأملية ورسائله وأدبه الإنساني . كان يرى لبنان أكثر من حدود جغرافية ؛ رآه حالة روحية وذاكرة حيّة.

من أجمل ما كتب عن لبنان أو نُقِل من روحه الأدبية في حب لبنان :

"لبنان ليس وطناً أسكنه ، بل وطنٌ يسكنني."

له في الحديث عن جبال لبنان وقراه معنى عميق للانتماء ، إذ كتب في سيرته سبعون بروح الحنين إلى بسكنتا والطبيعة اللبنانية ، واصفاً القرية بأنها:

"المهد الذي تعلّمت فيه أن أسمع صوت الأرض والسماء."

كما كان يقول إن اللبناني الحقيقي:

        "يحمل أرز لبنان في قلبه أينما ارتحل."

       وفي كتاباته التأملية يظهر لبنان عنده رمزاً للتجذّروالحرية والسكينة، لا مجرد مكان للولادة.

 

·        رشيد أيوب: كان من شعراء المهجر الذين حملوا لبنان في وجدانهم على الرغم من الغربة الطويلة، وتظهر هويته اللبنانية في الحنين إلى القرية والجبل واللغة والذكريات.

من الأبيات التي تعبّر عن هذا الشعور :

"روحي تروح وتغتدي          أبداً تحنّ إلى اللقاء".  وفيها يظهر ذلك الحنين الدائم الذي ميّز شعراء المهجر اللبنانيين عموماً.

ومن الأبيات التي تعبّر عن روحه الوجدانية المرتبطة بالوطن والطبيعة اللبنانية:

" حفظتكِ فيهِ برغم النوى          فواعجباه ألا تذكرين". وهو تعبير عن الوفاء على الرغم من البعد والاغتراب

الخلاصة:

وضعاً للأمور في نصابها الصحيح، وحرصاً من الرابطة المارونية على الهوية اللبنانية وافتخار أبنائها بسائر عطاءاتها، فضلاً عن صونها الاستقلال والسيادة الوطنية بدون أي افتئات، والأرض اللبنانية بكاملها بدون أي انتقاص، ندعو المعنيين بهذه القضية التصحيحية والمسؤولين  في الداخل والخارج، إلى الالتزام بما تنصّ عليه وتثبته هذه المطالعة .  ليس من شك بعد هذه القرائن الجغرافية والتاريخية والأدبية المثبتة والمشبعة بالتعابير البليغة والصريحة، من العمل بسرعة على تصحيح التشويه الذي نال من هوية الأعلام اللبنانيّين المهجريّين الذين صنعوا نهضة لبنان الثقافية في مغترباتهم، ورفعوا عالياً سمعته في العالم."