المصدر: Kataeb.org
الأربعاء 22 تموز 2026 10:27:53
في إطار التعاون بين ملتقى التأثير المدني ومؤسَّسة كونراد آديناور - لبنان حول مسار "الأمن القومي اللّبناني: مقاربات دستوريّة متعدّدة الاختصاصات"، نشرت المؤسَّستان ورقة عمل تحت عنوان "الأمن القومي اللّبناني: مفترق الخيارات. إنهيار الدّولة أو استحقاقات إزالة الاحتلال الجديد!".
الورقة التي أعدّها الدكتور حارث سليمان صدرت باللّغتين العربيَّة والإنكليزيَّة جاء فيها: " يظلُّ مفهومُ الأمنِ القوميِّ من أكثرِ المفاهيمِ إشكاليّةً وتداولاً في الخطابِ السِّياسيِّ والإعلاميِّ اللُّبنانيِّ، وكثيراً ما يُستخدمُ كغطاءٍ لتبريرِ سياساتٍ مثيرةٍ للانقسامِ، أو كسلاحٍ تُوجَّهُ بهِ الاتّهاماتُ للآخرينَ بتقويضِهِ. لكنَّ الحقيقةَ الّتي يغفلُ عنها هذا الخطابُ السّائدُ، هي أنّ الأمنَ القوميَّ في لبنانَ يعاني من أزمةٍ وجوديّةٍ حادّةٍ، تسبقُ أيَّ تهديدٍ خارجيٍّ. فهو لم يتمكّنْ، منذَ استقلالِ البلادِ، من التّرسّخِ كمفهومٍ جامعٍ يسمو فوقَ التّجاذباتِ الطّائفيّةِ والولاءاتِ الخارجيّةِ، بل ظلَّ رهينةً لتوافقاتٍ هشّةٍ ومصالحِ زعماءِ جماعاتٍ، لا يرقى إلى مستوى منظومةٍ دولتيّةٍ محكمةٍ."
ويستطرد الكاتب: " لُبُّ المأزقِ اللُّبنانيِّ يُظهرُ للعيانِ تناقضاً صارخاً بينَ الخطابِ الرّسميِّ السّائدِ الّذي يتغنّى بالعيشِ المشتركِ ولبنانَ الرّسالةِ، وبينَ سلوكِ الجماعاتِ المختلفةِ على أرضِ الواقعِ. وهذهِ الأزمةُ العميقةُ تخلقُ التباساً في معنى الأمنِ القوميِّ، ففي الدُّولِ المستقرّةِ يكونُ الأمنُ القوميُّ منظومةً لا تختلفُ عليها السّلطةُ والمعارضةُ، ويسمو فوقَ مصالحِ الجماعاتِ الضيّقةِ. أمّا في لبنانَ، فإنّ الأمنَ القوميَّ لا يعدو كونَهُ تلفيقاً تصالحيّاً بينَ مصالحِ زعماءِ أحزابِ الطّوائفِ ورعاتِهم في الدُّولِ الإقليميّةِ والدّوليّةِ. وهذا هو التّشخيصُ الأكثرُ دقّةً وصراحةً، فمفهومُ أمنِ الجماعةِ الطّائفيّةِ أي الطّائفةِ كوحدةٍ سياسيّةٍ تتبعُ لرعاةٍ خارجيّينَ هو الّذي يحتلُّ قمّةَ الأولويّاتِ، وهو فوقَ أمنِ المواطنينِ/اتِ ومصالحِهم كشعبٍ واحدٍ. فكلُّ جماعةٍ، أو بالأحرى كلُّ زعيمِ حزبٍ طائفيٍّ، يعيدُ تعريفَ الأمنِ القوميِّ ليتوافقَ مع أمنِ حلفائِهِ الإقليميّينَ. أمّا العيشُ المشتركُ كمفهومٍ نبيلٍ في جوهرِهِ، فلا يعني لهؤلاءِ سوى السّعيِ إلى وئامٍ مؤقّتٍ بينَ برامجَ متناحرةٍ. فهو ليسَ مشروعاً وطنيّاً جامعاً، بل ترتيبٌ لإدارةِ الصّراعِ لا لحلِّهِ، ويتغيّرُ مضمونُهُ بتغيّرِ موازينِ القوى الإقليميّةِ."
ويضيف الكاتب: " لذلكَ، فإنّ صياغةَ أيِّ رؤيةٍ جادّةٍ للأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ تتطلّبُ اعتمادَ مسارَينِ: خارجيٍّ أوضحنا متوجّباتِهِ أعلاهُ، وداخليٍّ معقودٍ على شرطٍ جوهريٍّ هو تغييرُ بنيةِ نظامِ المحاصصةِ. والبديلُ واضحٌ: بناءُ الدّولةِ المدنيّةِ كبديلٍ إصلاحيٍّ لدولةِ الطّوائفِ والدّولةِ الدّينيّةِ والأمنيّةِ. وهذا ليسَ اختراعاً أو بدعةً، بل هو روحُ إتّفاقِ الطّائفِ نفسِهِ، الّذي أدرجَ مبدأَ الدّولةِ المدنيّةِ، لكنّ التّعسّفَ والاستنسابَ في تطبيقِهِ أدّيا إلى تشويهِ المبدأِ والمراوحةِ في مكانِهِ، بل والسّيرِ إلى الخلفِ نحوَ تهميشِ المواطنةِ الجامعةِ لصالحِ الهويّاتِ والعصبيّاتِ الثّانويّةِ."
ويختم سليمان: "إنّ الاستنتاجَ الّذي يمكنُ استخلاصُهُ من هذهِ الورقةِ هو أنّ الأمنَ القوميَّ في لبنانَ ليسَ إشكاليّةً تقنيّةً تحتاجُ إلى مزيدٍ من الأسلحةِ أو الاتّفاقيّاتِ العسكريّةِ فحسبُ، بل هو إشكاليّةُ هويّةٍ ونظامِ حكمٍ. إنّهُ مرهونٌ بقدرةِ اللُّبنانيّينَ/اتِ على إنتاجِ داخلٍ وطنيٍّ قويٍّ ومتماسكٍ، قادرٍ على ضبطِ حدودِهِ وصياغةِ علاقاتِهِ الجيو-سياسيّةِ وسياساتِهِ الخارجيّةِ بعيداً عن وصايةِ أيِّ راعٍ إقليميٍّ. وهو مرهونٌ بتحويلِ خطابِ العيشِ المشتركِ من ترتيبٍ لإدارةِ الصّراعِ إلى مشروعٍ حقيقيٍّ لمواطنةٍ جامعةٍ يتساوى فيها الجميعُ أمامَ القانونِ. وهو مرهونٌ، قبلَ أيِّ شيءٍ، ببناءِ طبقةٍ سياسيّةٍ وطنيّةٍ تضعُ أمنَ البلادِ والمواطنينَ/اتِ فوقَ أيِّ اعتبارٍ طائفيٍّ أو ولاءٍ خارجيٍّ. لقد تأخّرَ لبنانُ طويلاً في بناءِ دولتِهِ، وبينما هو عالقٌ في أزماتِهِ الدّاخليّةِ، تشتعلُ المنطقةُ بأسرِها. آنَ الأوانُ ليدركَ اللُّبنانيّونَ/اتُ أنّ أمنَهم القوميَّ الحقيقيَّ يبدأُ من داخلِهم، من إصلاحِ نظامِهم، وتحريرِ قرارِهم، واستعادةِ دولتِهم من قبضةِ زعماءِ أحزابِ الطّوائفِ. فإذا استمرَّ الحالُ على ما هو عليهِ، فسيبقى الأمنُ القوميُّ مجرّدَ شعارٍ فارغٍ، وسيبقى لبنانُ رهينةً للأزماتِ الإقليميّةِ، يدفعُ أثماناً لا تُحتملُ."