المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الثلاثاء 14 تموز 2026 07:24:15
منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية، حرص العماد جوزاف عون على تجنّب الشعارات الكبرى في مقاربة أحد أكثر ملفات لبنان حساسية، مكتفيًا بالتأكيد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة. غير أن مقابلته الأخيرة، في 11 تموز 2026، مع عدد من رؤساء تحرير الصحف والمواقع الإلكترونية ومديريها، كشفت عن نهج يتجاوز مجرد إعلان المواقف السياسية.
فقد عرض رئيس الجمهورية ما يمكن وصفه بـ"مقاربة عون" لمعالجة ملف سلاح "حزب الله"، وهي رؤية تسعى إلى التوفيق بين هدف استعادة الدولة لسيادتها وتجنّب انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية. كما تقوم على منطلق مختلف؛ فهي لا تسأل أولا كيف يُنزع السلاح، بل كيف تستعيد الدولة موقعها كصاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم.
ومن هنا تكتسب أهمية قول عون إن أهداف الدولة اللبنانية و"حزب الله" واحدة، فيما يكمن الخلاف في الوسيلة. قد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، وكأنها تمنح هذه المجموعة شرعية إضافية، لكنها في الواقع تسحب المبرر السياسي لاستمرار احتفاظها بالسلاح. فإذا كان "حزب الله" يتفق مع الدولة على الغاية، فلماذا إذًا يبقى قرار استخدام القوة خارج إطار المؤسسات الشرعية؟
بهذا المعنى، يحاول عون نزع الشرعية السياسية عن استمرار ازدواجية القرار العسكري، من دون نزع الشرعية الوطنية عن البيئة التي أنتجت "حزب الله". فهو يميّز بين المجتمع والسلاح، ويرى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بالقوة، لأن "حزب الله" "ليس سلاحًا فقط، بل هو بيئة أيضًا". لذلك، فإن أي مواجهة داخلية لن تؤدي إلى استعادة الدولة لاحتكار القوة، بل إلى إضعافها واستنزاف الجيش، المؤسسة التي يعوّل عليها لقيادة عملية استعادة السيادة.
وانطلاقًا من هذه النظرة إلى "حزب الله" كظاهرة سياسية واجتماعية بقدر ما هو تنظيم مسلّح، يكتسب استشهاد عون بتجربتي الجيش الجمهوري الإيرلندي ومنظمة "فارك" الكولومبية دلالة خاصة؛ فهو لم يقارن "حزب الله" بجيوش هُزمت أو بميليشيات جرى تفكيكها بالقوة، بل بحركات مسلّحة انتقلت تدريجيًّا إلى العمل السياسي عبر تسويات طويلة. وهذا يكشف أن عون لا ينظر إلى القضية كمشكلة أمنية فحسب، بل كمسار تحوّل سياسي ومؤسساتي، تكون فيه معالجة الظروف التي سمحت باستمرار السلاح جزءًا من الحل.
وبما أن هذا المسار، في نظر رئيس الجمهورية، يجب أن يبقى لبنانيًّا في جوهره، فهو يرفض أن يتحوّل لبنان إلى مجرد ساحة تفاوض بين واشنطن وطهران، رغم اعترافه بأن التوتر بينهما ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. فبالنسبة إليه، لا يمكن استعادة سيادة الدولة عبر تسوية إقليمية مفروضة من الخارج، بل عبر مسار لبناني يتفاعل مع البيئة الإقليمية من دون أن يصبح أسيرًا لها.
وبالتالي، وبعد اتضاح معالم هذه المقاربة، يصبح السؤال الذي سيحكم لقاء عون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مختلفًا عما كان عليه في السابق. فلم تعد المسألة المطروحة ما إذا كان لبنان يريد حصر السلاح بيد الدولة، بل ما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة لتبنّي المقاربة التي يقترحها عون لتحقيق هذا الهدف.
خصوصًا أن التحدي لا يكمن في المقاربة بحد ذاتها، بل أيضًا في البيئة الإقليمية المتغيّرة. فلو جاءت الزيارة قبل أشهر، لربما كانت فرص نجاحها أكبر. إلا أن التصعيد الأميركي – الإيراني الأخير، وما رافقه من اتساع رقعة المواجهة إلى الخليج وعودة التوتر حول مضيق هرمز، أعاد ترتيب أولويات واشنطن، التي باتت تنظر إلى "حزب الله" مجددًا باعتباره جزءًا من شبكة الردع الإيرانية الإقليمية، لا مجرد ملف لبناني داخلي.
وهنا يبرز الاختلاف في وتيرة التنفيذ. فإن "مقاربة عون" تقوم على الوقت والتدرّج وبناء الثقة، بينما قد تصبح الإدارة الأميركية أقل استعدادًا لمنح هذا الوقت في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. ومع ذلك، فإن انطلاق آلية تنفيذ "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل يوحي بأن واشنطن تسعى إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض حضورها على الأرض. فإرسال فريق أميركي متخصص لدعم الجيش والتحقق من خلوّ المناطق التي يتسلّمها من وجود "حزب الله" يعكس رؤية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة، ولكن ضمن مراحل تنفيذ واضحة وآليات تحقق محددة. وبذلك، يصبح الخلاف أقل ارتباطًا بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وأكثر اتصالا بوتيرة تحقيق هذا الهدف والضمانات المطلوبة للتأكد من ترجمته عمليًّا.
لذلك، لا يذهب عون إلى البيت الأبيض لطلب المساعدات فقط، بل لإقناع الإدارة الأميركية بأنه لا يقترح تسوية مع "حزب الله"، بل استراتيجية واقعية لاستعادة سيادة الدولة من دون إدخال البلاد في مواجهة داخلية.
لكن نجاح هذا الطرح يفترض أن تكون إيران مستعدة لعدم استخدام الساحة اللبنانية كورقة تفاوض في صراعها مع واشنطن. وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فكلما تصاعدت المواجهة الأميركية – الإيرانية، ضاق هامش الوقت الذي تستند إليه "مقاربة عون".
ويبقى السؤال الحاسم: هل ترى واشنطن في هذه المقاربة استراتيجية قابلة للنجاح؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت واشنطن مستعدة لمنح لبنان الوقت والحيّز السياسي اللذين يحتاج إليهما الرئيس اللبناني لاستعادة سيادة الدولة وإنهاء واحدة من أعقد أزماتها منذ عقود.