مقاربة فرنسية بثلاثة أهداف وعقبتان أساسيتان...فرنسا تختبر الضمانات وتمهّد للأرضية ووقف النار

في لحظة إقليمية تتقدّم فيها لغة النار على أي مسار سياسي، تتحرّك باريس على خط موازٍ، دقيق ومعقّد: لا مبادرة جاهزة، بل جهد متراكم لاختبار الأفكار والضمانات، ومحاولة فتح ثغرة في جدار التصعيد، تمهيداً لإطلاق مسار تفاوضي عندما تنضج الظروف. زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت تأتي في هذا الإطار، كترجمة مباشرة لقرار فرنسي على أعلى المستويات، من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المبعوث الرئاسي جان إيف لودريان، مروراً بوزارة الخارجية ووزارة الجيوش، بتكريس كل الرصيد السياسي لإبقاء الملف اللبناني حيّاً، ومنفصلاً قدر الإمكان عن مسار الحرب الإقليمية.

مصادر مطّلعة على مجمل التحرّك الفرنسي، ولاسيما زيارة وزير الخارجية إلى بيروت، تؤكد أن باريس لا تزال في مرحلة "جسّ النبض"، حيث يتم تداول أفكار أولية، ومحاولة بلورة مقاربات يمكن أن تتحوّل لاحقاً إلى نقاط تفاوضية قابلة للطرح على الطاولة عندما تحين اللحظة السياسية المناسبة. إذ تُدرك فرنسا أن خفض السقوف حالياً أو تحقيق وقف لإطلاق النار لا يزال أمراً بعيد المنال، لكن الهدف هو بناء أرضية مشتركة، ولو أولية، يمكن الانطلاق منها لاحقاً.

مقاربة فرنسية بثلاثة أهداف وعقبتان أساسيتان
المقاربة الفرنسية، كما تكشفها مصادر فرنسية للمدن، ترتكز على ثلاثة أهداف واضحة: أولاً، فصل الجبهة اللبنانية عن الحرب الإقليمية، بما يمنع إنزلاقها إلى مواجهة شاملة. ثانياً، إيجاد إطار أولي لوقف إطلاق النار. وثالثاً، إطلاق مسار تفاوضي إنطلاقاً من مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، التي تحظى بدعم فرنسي كامل.
إلا أن هذه المقاربة تصطدم بعقبتين مركزيتين بحسب ما كشفت المصادر: إصرار إسرائيل على التفاوض تحت النار، ورفض لبنان سياسياً وعسكرياً، أي نقاش أو تنفيذ لخطط ميدانية، ولاسيما خطة درع الوطن، في ظل استمرار العمليات العسكرية.

هاجس الالتزام وتحضير الأرضية
لقاء بارو مع الرئيس عون شكّل المحور الأساسي للزيارة، حيث جرى بحث تفصيلي في الهواجس المتبادلة والضمانات المطلوبة. ووفق مصادر مطلعة على المباحثات، فقد نقل الوزير الفرنسي إلى الرئيس اللبناني نتائج اتصالاته مع نظيريه الأميركي والإسرائيلي، حاملاً سؤالاً إسرائيلياً محدداً إلى لبنان: “هل يلتزم حزب الله بوقف إطلاق النار إذا توقّفت إسرائيل،" باعتبار هذه الضمانة تشكل المدخل الإلزامي لأي وقف للنار؟

في المقابل، وفي معلومات "المدن"، عرض الرئيس عون المقاربة اللبنانية، وشدد على تمسكه بالمبادرة التي طرحها، لكنه طرح تساؤلاً محورياً: "كيف يمكن التفاوض في ظل التصعيد العسكري؟"، مشيراً إلى أن تهيئة الأجواء تبقى شرطاً أساسياً لأي مسار تفاوضي. وفي هذا الإطار، أكد أن وقف إطلاق النار يجب أن يتم اليوم قبل الغد، وهو موقف يتقاطع مع الطرح الفرنسي.

رئيس الجمهورية طلب أيضاً من الزائر الفرنسي المساعدة في تحييد المرافق الحيوية للدولة اللبنانية ومنشآتها المدنية، كما تحييد الجيش وعدم استهدافه أو محاصرته، في ظل ما يشكّل كل ذلك من هاجس أساسي للدولة. وقد وعد بارو بإثارة هذا الملف مع الجانب الإسرائيلي والاميركي في أقرب فرصة، في إطار السعي إلى تخفيف الأضرار الإنسانية والمؤسساتية، وحماية الدولة اللبنانية من الانهيار.

على مستوى الترتيبات الداخلية، أبلغ عون ضيفه أنه أنجز تشكيل الوفد اللبناني المفاوض، باستثناء مسألة التمثيل الشيعي، حيث لا تزال الاتصالات قائمة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالرئيس مقتنع بضرورة مشاركة كل المكونات اللبنانية في الوفد، لضمان توافق داخلي صلب، باعتبار أن أي إتفاق لن يكون قابلاً للحياة من دون غطاء وطني شامل.

وفي ملف القوات الدولية العاملة في الجنوب، أبدى عون تمسّكه ببقاء اليونيفيل، وإذا تعذر ذلك نهاية العام الحالي، فلبنان يرحب باستعداد دول أوروبية للمساهمة بقوات بديلة، على أن يُبحث الإطار والمظلة المناسبة في حينه.

أما في ما يتعلق بالوضع على الحدود اللبنانية السورية، وبعدما كان الأمر قد طرح في الاتصال الثلاثي بين الرئيس الفرنسي واللبناني والسوري، علم أن رئيس الجمهورية لم يخف أن الحشود العسكرية السورية تثير قلقاً لدى اللبنانيين، على الرغم من تأكيده أن التنسيق قائم مع دمشق لتفادي أي إشكالات، والحرص على حماية الحدود. وقد شدّد بارو بدوره على متابعة الأمر، كما على أهمية ترسيم الحدود بين البلدين، معتبراً أنه مدخل أساسي لمعالجة الإشكاليات القائمة، وفرنسا مستعدة للمساعدة في ذلك إنطلاقا من معرفتها الجيدة للملف.

مفتاح الحزب وثبات الموقف
لقاء بارو مع رئيس مجلس النواب نبيه بري شكّل محطة محورية، ليس فقط لوزنه الداخلي، بل لكونه قناة أساسية لنقل الرسائل إلى حزب الله وإستطلاع موقفه، وفق ما لفتت المصادر الفرنسية. 
وقد شكّل اللقاء مناسبة لتوجيه السؤال ذاته الذي نقله بارو إلى بعبدا عن الجهة التي يمكن أن تضمن التزام حزب الله بوقف إطلاق النار؟ 
لم يغب عن مباحثات عين التينة ملف التسمية الشيعية في الوفد المفاوض، حيث يبقى القرار عند بري، في ضوء الاتصالات الجارية مع رئيس الجمهورية. هذا ووضع بارو رئيس المجلس في أجواء الحراك الفرنسي ودعم بلاده للمبادرة اللبنانية للتفاوض المباشر مع إسرائيل.
لكن جواب رئيس المجلس لم يتزحزح وعنوانه: "وقف إطلاق النار أولا ومن ثم منحكي." وانطلاقاً من ذلك، جدد بري تمسّكه بتطبيق إتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع في تشرين الثاني 2024، معتبراً أن التزام إسرائيل به كفيل بإنهاء العدوان، وأن تفعيل آلية الميكانيزم يبقى أساسيا كإطار للمراقبة والتطبيق والتفاوض.

الملف اللبناني قائم بحد ذاته
من بعبدا إلى السراي الحكومي فعين التينة، جدّد رأس الدبلوماسية الفرنسية دعم بلاده المطلق للحكومة، ولخيارها القائم على التفاوض، في موازاة تعزيز دور الدولة وحصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية خارج إطارها، كجزء من مقاربة فرنسية أشمل تهدف إلى إستعادة صدقية المؤسسات اللبنانية أمام المجتمع الدولي. وهو أكد أن الاتصالات لن تتوقف، سواء على المستوى الأوروبي أو العربي، لفتح كل القنوات الممكنة التي قد تشكّل ثغرة في الجدار القائم.
وفي هذا السياق، يلتقي بارو قبل مغادرة لبنان السفير الأميركي ميشال عيسى، للبحث في إمكانية تدخل الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار.

الرسالة الفرنسية، كما تنقلها المصادر الدبلوماسية المواكبة، تتجاوز تفاصيل الزيارة: التأكيد أن الملف اللبناني لا يزال قائماً بحد ذاته، وأن المجتمع الدولي، بالرغم من انشغاله بالحرب الإقليمية، لا يمكن أن يتجاهل ضرورة التحرك لوقف إطلاق النار في لبنان. خاصة وأن باريس تعتبر أن ظروف لبنان اليوم أفضل مما كانت عليه في العام 2024، بوجود رئيس جمهورية وحكومة فاعلة، وهذا ما يتيح استثمار أيّة فرصة سياسية بسرعة أكبر. ومن هنا، يأتي الدعم الفرنسي الكامل لمبادرة عون، ولخيار الدولة بالتفاوض، كإطار وحيد ممكن للخروج من الأزمة.

صحيح أن زيارة بارو لا تحمل أملاً باختراق قريب، لكنها تعكس بالنسبة إلى باريس مرحلة ضرورية: من اختبار أفكار، إلى البحث في الضمانات، ومحاولة تثبيت نقاط يمكن البناء عليها لاحقاً. لكن الأهم أنه مقابل إصرار إسرائيل على التفاوض تحت النار، تؤيد فرنسا تمسّك لبنان برفض التفاوض قبل وقف إطلاق النار.