المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الثلاثاء 2 حزيران 2026 15:22:24
بينما كانت قضية الموقوف العراقي طارق الحسيني، الذي انتحل لسنواتٍ صفة الملحق الأمني برتبة "عقيد" في السفارة العراقية في بيروت، تُنظر في أسابيعها الأولى كخرقٍ بروتوكوليّ أو عملية احتيال غريبة، أخذت التحقيقات القضائية مؤخرًا منحنىً أكثر جدية وخطورة. القضية التي بدأت بـ"برستيج" وصور تذكارية مع رتب عسكرية عالية، تدحرجت لتتحول إلى ملف قضائي دسم، يكشف عن شبكة علاقات واسعة تخطت حدود الخداع التقليديّ.
الادعاء العسكري: التزوير والأسلحة
التطور القضائي الصادم حمل توقيع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي لم يتوان عن توصيف أفعال العقيد الوهمي ضمن مواد قانون ثقيلة.
فقد أفادت مصادر قضائية لـ"المدن"، أن القاضي غانم ادعى رسميًا على المتهم العراقي بموجب المادة 144 من قانون العقوبات العسكريّ، المتعلق بانتحال الصفة في الوظائف العسكرية، بالإضافة إلى تهم حيازة أسلحة حربية من دون ترخيص والتزوير واستعمال المزور.
هذا الادعاء، يضع حدًا للتحليلات التي حاولت تبسيط الجرم أو إدراجه في خانة "الهوس" بالرتب. فالأسلحة المضبوطة واستخدام المستندات المزورة لنقله ومرافقته حولت الملف إلى جناية كاملة الأوصاف تهدد المتهم بعقوبات سجنية مشددة وتنزع عنه أي غطاء محتمل.
30 رقمًا لضباط: تحقيقات مخالفة العسكرية
المفاجأة الأكبر التي فجرها التحقيق والمسؤولة عن بث حالة من القلق والترقب داخل المؤسسات الأمنية، تجسدت في ما عثرت عليه الأدلة الجنائية والفرع الفني في مديرية مخابرات الجيش، أثناء تفريغ هاتف "العقيد الوهمي".
بحسب المصدر القضائي لـ"المدن"، فقد تبيّن وجود أكثر من 30 رقمًا لضباطٍ ينتمون إلى أجهزة أمنية مختلفة، مخزنة ومفعلة على هاتفه الشخصيّ، مع وجود تواصل متفاوت المستوى بينه وبينهم.
هذا المعطى الرقميّ دفع بالتحقيقات العسكرية إلى التوسع لمعرفة طبيعة هذه الاتصالات وحجمها. وتتركز التحقيقات حاليًا على تحديد ما إذا كان القضاء العسكريّ سيدعي على الضباط الذين ثبت تواصلهم الوثيق معه.
الشبهة الأساسية التي تلاحق الضباط المتورطين هي مخالفة التعليمات العسكرية، التي تحظر على العسكريين والضباط نسج علاقات وثيقة مع شخصيات أجنبية أو دبلوماسية من دون الحصول على إذن مسبق ومراجعة المراجع المختصة والتدقيق في هوياتهم.
حول هذا الاختراق الصامت الضباط من "ضحايا تضليل" إلى موضع مساءلة مسلكية وقانونية محتملة بتهمة الاهمال وعدم التبصر.
كما علمت "المدن" أنه وخلال خضوعه للتحقيق انهار "العقيد الصارم" وانفجر بالبكاء سائلًا الرأفة بعدما أدرك أن شبكة علاقاته الافتراضية تداعت، وأن الضباط الذين كان يتبجح في الجلوس معهم باتوا أنفسهم يبحثون عن أطواق النجاة.
النيابة المالية على الخط أيضًا..
لم تقف حدود الفضيحة عند أسوار المحكمة العسكرية إذ امتدت أيضًا إلى القضاء الماليّ. إذ خضع المتهم لاستجواب مكثف من النيابة العامة المالية على خلفية الشائعات السابقة التي تحدثت عن قدرة العقيد الوهميّ على التدخل لدى المصارف.
ركزت التحقيقات المالية على ما أثير حول قيامه بسحب وديعة مالية ضخمة من أحد المصارف اللبنانية مستغلًا "الواسطة" ونفوذه المستمد من صفته المزورة. لكن تبين في سياق التحقيقات أن "العقيد الوهميّ" لم يستطع أن يحرر أي وديعة.
الملف في عهدة أبو علوان
مع ادعاء القاضي كلود غانم واكتمال التحقيقات الأولية، أحيل الملف برمته إلى قاضية التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان لتتولى استجواب المتهم وتوسيع التحقيق في الشق العسكري المعقد وإصدار المذكرات القضائية اللازمة انطلاقًا مما جاء في محاضر التحقيق.
ثبتت التطورات الأخيرة أن قضية "العقيد العراقي الوهمي" لم تعد مجرد قصة طريفة للنصب الاجتماعيّ إذ تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة بعض المفاصل الأمنية والادارية في لبنان، حيث استطاع رجل واحد عبر بزة عسكرية وهاتف مليء بصور وأرقام الضباط ودموع تبين زيفها عند التحقيق، أن يخترق منظومة بروتوكولية ويحرك أمنيين ويزعم أنه يسحب ودائع عجز أصحابها عن تحصيل فتات منها.
القضاء قال كلمته بالادعاء والأيام المقبلة في أروقة المحكمة العسكرية كفيلة بتحديد من سيسقط من الضباط في شباك "المخالفة العسكرية".