المصدر: lebanon debate
الأربعاء 29 نيسان 2026 12:28:05
في تطوّر قضائي لافت أعاد فتح واحد من أكثر الملفات إثارةً للجدل في لبنان، انعقدت يوم أمس الثلاثاء 28 نيسان 2026 الجلسة المخصصة لملف TikTok أمام محكمة الجنايات في رومية، برئاسة القاضي إيلي الحلو الذي بدا حازماً في إدارة الجلسة وتطبيق القانون، وبحضور المستشارين وممثل النيابة العامة القاضي علي سيف الدين.
وجاءت الجلسة في إطار المرافعة بقضية تحوّلت منذ انكشافها إلى ملف جنائي شديد الحساسية، تداخلت فيه مزاعم الاستدراج والاستغلال والابتزاز مع مسارات قضائية وأمنية متشعبة.
غير أنّ الجلسة لم تسر وفق المسار المتوقع، بعدما حضر عدد كبير من المدعى عليهم والمدعين، فيما غابت أسماء محورية يُنظر إليها على أنها في صلب الوقائع الأساسية، فقد حضر كل من “ع. كيسو”، “ي. خلف”، “ك. طاباقيان”، “م. عثمان”، “غ. غنوي”، “ج. المبيض”، المتهم المحامي “خ. مرعب”، “م. شرف الدين”، “ه. هضّام”، “ر. عيد”، “ح. علّيق”، كما حضر المدعيان “ه. رعد” و”م. حجيج”.
في المقابل، غاب كل من “ح. سنجر”، “ب. نفاع”، “ر. السارجي”، “ب. المعوشي”، “م. الحمالي”، و”م. أكتورك”، علماً أنّ الأخيرين سبق أن رُحّلوا من قبل الأمن العام وصدر قرار بمنعهما من دخول الأراضي اللبنانية.
وحضر من وكلاء الدفاع كل من المحامية ماريانا برّو بالوكالة عن الحمالي وأكتورك وخلف، والمحامي مصطفى نوفل عن كيسو، والمحامي سلوان صادر عن المبيض، والمحامي يوسف بو سرحال عن طاباقيان، فيما تغيب المحامي شربل الخوري، ما دفع موكله شرف الدين إلى التمسك بحضور وكيله شخصياً.
كيف بدأ الملف؟
وبخلاف الصورة التي ترسخت لاحقاً في الإعلام، تُظهر مراجعة وقائع القضية أنّ الملف لم يبدأ أساساً بادعاءات مرتبطة باستدراج القاصرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل انطلق من شكوى جزائية قُدمت بتاريخ 26 شباط 2024 أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان من القاصرين الحمالي وأكتور، بحق “ح. سنجر” و”ه. رعد” و”ض. طباجا”، على خلفية تعرضهما، وفق أقوالهما، للضرب والسلب داخل أحد المقاهي، لكن بعد أيام قليلة، انقلب المشهد بالكامل، حين تقدّم “ح. سنجر” ومجموعة مرتبطة به بتاريخ 28 شباط 2024 بشكوى مقابلة تحدّثت عن شبكة مزعومة تستدرج القاصرين عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا بدأ الملف يتوسع تدريجياً، لتتشعب التحقيقات وتتحول القضية إلى واحدة من أكثر القضايا الجزائية تعقيداً في السنوات الأخيرة.
15 جرماً… واتهامات ثقيلة
وعلى أثر التحقيقات، ادعت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان بما مجموعه 15 جرماً توزعت بين 10 جنايات و5 جنح متلازمة، من بينها: الاغتصاب، مجامعة قاصر دون الخامسة عشرة، أفعال منافية للحشمة، استدراج قاصر للفحشاء، التحريض على الفحشاء، السرقة المشددة، الخطف، الاتجار بالأشخاص، تأليف جمعية أشرار، وحيازة أسلحة حربية.
المفاجأة الأكبر: من مدعٍ إلى متهم فارّ
إلا أنّ أكثر ما أثار الانتباه خلال مسار التحقيقات هو التحول الدراماتيكي في موقع بعض الأطراف، فقد أظهرت المعطيات اللاحقة أنّ المدعي الأساسي “ح. سنجر” من أصحاب السوابق العدلية، ومحكوم سابقاً بجرم التحرش، وقد غادر الأراضي اللبنانية فور انكشاف معطيات جديدة بحقه، ليصدر لاحقاً بحقه بلاغ بحث وتحرٍ ومذكرة توقيف غيابية.
كما تبين أنّ عدداً من القُصَّر الذين ظهروا بدايةً في صورة “ضحايا” خضعوا لاحقاً لتحقيقات وملاحقات في ملفات أخرى أمام أجهزة أمنية وقضائية مختلفة، شملت جرائم ترويج وتعاطي المخدرات، التحرش، حيازة أسلحة حربية، وترويج عملة مزورة، أمام مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال، ومكتب المخدرات المركزي، والمحكمة العسكرية.
إحراج داخل قاعة المحكمة
وخلال الجلسة، برز اسم “ح. شيخو” (مدعٍ في الملف)، الموقوف في سجن زحلة بدعوى أخرى، والذي لم يتم سوقه إلى المحكمة، وعندما سألت الهيئة الحاكمة عن سبب غيابه، بدا وكيله القانوني المحامي محمد هاولو زعيتر في موقف حرج، مكتفياً بالقول إن الاتصال به منقطع، قبل أن يؤكد اعتزاله الوكالة عن “ح. سنجر” بعد تبدّل موقعه من مدعٍ إلى متهم ملاحق بحقه مذكرة توقيف غيابية.
وتشير الوقائع التي جرى تداولها في الملف إلى أنّ هذا التحول لم يكن شكلياً، بل ترافق مع معطيات خطيرة تتحدث عن دور محوري في إدارة مسار الشكوى المقابلة، بما أوحى، وفق ما تطرحه أوساط الدفاع، بمحاولة قلب وجهة التحقيق وإخفاء معالم جرائم سابقة عبر توجيه الاتهام إلى آخرين، في وقت كشفت فيه التحقيقات عن منظومة مالية واسعة مرتبطة بأشخاص متواجدين خارج الأراضي اللبنانية.
الدفاع يرفع السقف: أين المدعون؟
وفي محطة لافتة، رفع وكلاء الدفاع سقف المواجهة، ولا سيما المحاميان سلوان صادر وماريانا برّو، مطالبين بحضور المدعين المتخلفين عن الجلسة لمناقشتهم مباشرة، رغم اعتبارهم مبلغين أصولاً بواسطة وكيلهم القانوني.
وأكد الدفاع أنّ عدداً من الإفادات الأساسية في الملف جاءت خالية من تحديد زمان واضح للوقائع المدعى بها، وغير مدعّمة بتقارير طبية أو أدلة مادية مباشرة، ما يطرح علامات استفهام جدية حول مدى قوتها الإثباتية أمام محكمة الجنايات.
التأجيل إلى 30 حزيران
وبنتيجة الإصرار على حضور المدعين، إضافة إلى تمسك المتهم “م. شرف الدين” بحضور وكيله المحامي شربل الخوري شخصياً، قررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى 30 حزيران 2026، على أن تُخصص للمرافعات الخطية حصراً، نظراً لتعدد الأطراف وتشعب الملف.
الأسئلة التي لم تُحسم بعد
وبين شكوى أولى بدأت بضرب وسلب، وشكوى ثانية فجّرت اتهامات بالاستدراج والاتجار والاستغلال، يقف ملف TikTok اليوم أمام منعطف حاسم، بعدما اختلطت فيه صفة الضحية بالمتهم، وتداخلت الروايات مع الوقائع، فيما تبقى الكلمة الفصل لمحكمة الجنايات.
وإلى حين الجلسة المقبلة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، فيما يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الرأي العام: من استغلّ من فعلًا؟ وأين تتوارى الحقيقة داخل واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في لبنان.