المصدر: eremnews
السبت 26 أيلول 2026 15:26:30
دخل لبنان في سباق محموم مع الزمن عقب تقاطع تقارير دبلوماسية غربية وأخرى صادرة عن مراكز أبحاث أمنية، تحذر جميعها من خطورة المرحلة الحالية، وتؤكد أن أمام بيروت مهلة حرجة لا تتجاوز العامين لإعادة فرض سيادتها الكاملة، واستعادة أراضيها المحتلة في الجنوب.
وتشدد التقارير على أن استمرار الواقع الميداني والسياسي المأزوم في لبنان بعد انقضاء هذه المهلة المحددة، سيضع الجبهة الجنوبية مباشرة أمام سيناريو "الضم الإسرائيلي الصامت"، ليعيد إلى الأذهان ذات الآلية التي استُخدمت لقضم هضبة الجولان السوري المحتل العام 1981، وتثبيت الأمر الواقع فيها.
وتشير مصادر غربية مطلعة، إلى أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالعمليات العسكرية التقليدية في جنوب لبنان، بل بدأت بتنفيذ مخططات هيكلية لإحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي جذري في شريط القرى الأمامية يمتد من الناقورة غربًا وحتى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا شرقًا.
ووفقًا لمعلومات استخباراتية اطّلعت عليها المصادر الغربية التي تحدثت لـ"إرم نيوز"، فإن القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي تعمل على تطبيق خطة أمنية بعيدة المدى تُعرف في الأوساط العسكرية بتثبيت الحزام العازل.
ويتجاوز المخطط الإسرائيلي، بحسب المصادر، مجرد إبعاد المظاهر المسلحة لحزب الله إلى شمال نهر الليطاني، ليؤسس لواقع إداري وعسكري يمهد للضم القانوني أو الفعلي على المدى الطويل من خلال إستراتيجيات متعددة الأبعاد.
وتؤكد أن المخطط يبدأ بالتفريغ الممنهج للشريط الأمامي ديموغرافيًا عبر تحويله إلى أرض محروقة بعمق يتراوح بين 3-5 كيلومترات، حيث يركز الجيش الإسرائيلي على تدمير شبكات المياه، ومحطات الكهرباء، والمرافق الصحية بهدف جعل عودة المدنيين اللبنانيين إلى قرى الحافة الأمامية مستحيلة عمليًا خلال السنتين المقبلتين.
بالتوازي مع هذا التدمير، تسعى تل أبيب إلى فرض خط أمني ميداني جديد يتجاوز الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة العام 2000، ويُعرف هذا الترسيم الواقعي بالخط الأصفر الذي يمنح القوات الإسرائيلية حق التدخل العسكري المباشر وإقامة نقاط مراقبة تكنولوجية متطورة داخل الأراضي اللبنانية بذريعة منع أي إعادة تموضع عسكري مستقبلي لحزب الله.
ويمتد المخطط ليشمل الضم التدريجي عبر بوابة النقاط المتنازع عليها، حيث تشير المصادر الغربية إلى أن إسرائيل تخطط لربط النزاع حول النقاط الـ13 المتحفظ عليها لبنانيًا، بالإضافة إلى القسم الشمالي من قرية الغجر ومزارع شبعا، وتحويلها إلى مناطق خاضعة للسيادة الأمنية الإسرائيلية المطلقة، ليتم دمجها مع مرور الوقت إداريًا مع المجالس المحلية في الجليل الأعلى، وهو ذات التكتيك القضائي والإداري الذي استُخدم لتثبيت ضم الجولان سابقًا.
ويرى المحلل السياسي لطيف أبو نبوت، أن حصر المهلة بعامَين ليس عشوائيًا، بل يرتبط بأجندات سياسية وانتخابية دولية وإقليمية وثيقة.
وأكد في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذه المهلة تتقاطع مع فترة إعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط في ظل الإدارة الأمريكية الحالية ومساعي واشنطن لصياغة تحالفات إقليمية جديدة تكون فيها الحدود الإسرائيلية اللبنانية مستقرة تمامًا وفق الشروط الإسرائيلية.
وأشار إلى أن تل أبيب تستغل حالة الشلل السياسي في لبنان، والتدهور الاقتصادي غير المسبوق، لتمرير هذا المشروع، ففي غياب سلطة تنفيذية لبنانية قوية قادرة على بسط سيطرة الجيش اللبناني حصرًا على جنوب الليطاني، تجد إسرائيل الذريعة المثالية أمام المجتمع الدولي لتبرير إجراءاتها أحادية الجانب باعتبارها خطوات دفاعية ضرورية لحماية سكان الشمال.
من جانبه يرى المحلل السياسي ميشيل نجم، أن إسرائيل تطبق في جنوب لبنان إستراتيجية "قضم الأرض الهادئ" بناءً على تقديراتهم بأن الجيش الإسرائيلي يعلم تمامًا أن الضم القانوني المباشر عبر الكنيست قد يواجه رفضًا دوليًا واسعًا، لذا فهو يفضل الضم الفعلي والعملياتي الذي يجعل الأرض لبنانية اسماً، لكنها إسرائيلية فعلياً من حيث السيطرة النارية، وحرية الحركة العسكرية ومنع الحياة فيها.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، كشف أن سيناريو الجولان يعاد إنتاجه اليوم بأسلوب حديث؛ فمثلما استُغلت "حالة اللا حرب واللا سلم" الطويلة في الجولان لتغيير معالم الأرض وبناء المستوطنات، فإن عدم وجود إطار دبلوماسي دولي في الجنوب اللبناني يضمن انسحاب إسرائيل وإعادة إعمار القرى خلال مهلة السنتين سيحول التواجد العسكري الإسرائيلي إلى أمر واقع يصعب زحزحته.
ويحذّر المحلل نجم، من أن القرار 1701 يلفظ أنفاسه الأخيرة بالشكل الذي ولد فيه العام 2006، في ظل ضغوط أمريكية لإنهاء مهام قوات اليونيفيل الدولية، وهو ما يرفضه لبنان رسميًا.
وفي ظل الحقائق السابقة، فإن لبنان لم يعد يمتلك ترف الوقت أو المناورة السياسية؛ لأن انقضاء مهلة العامين دون استعادة الدولة اللبنانية للمبادرة ونشر الجيش اللبناني في الجنوب سيعني حكمًا تكرار المأساة السورية، ليتحول الشريط الحدودي اللبناني إلى مقاطعة أمنية معزولة ساقطة سياديًا، ومدمجة فعليًا ضمن المنظومة الدفاعية لإسرائيل.