من العراق إلى تركيا ولبنان.. واشنطن تقطع "شرايين المال" الإيراني

وسّعت الولايات المتحدة حملتها المالية على النظام الإيراني باستهداف شبكات تمتد عبر عدة بلدان، ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، مع تركيز الحزمة الأخيرة على قنوات تستخدمها قوة القدس التابعة للحرس الثوري لتمويل كتائب حزب الله وحزب الله وتحويل عائدات مرتبطة بالنفط الإيراني عبر شركات صرافة وتجارة وذهب خارج النظام المصرفي التقليدي.

ورسمت وزارة الخزانة الأمريكية في العقوبات الجديدة مسارات محددة تبدأ من رجال أعمال وشركات حوالة عراقية، وتمر عبر تركيا، ثم تصل إلى صرافين وشبكات نقد وذهب في لبنان.

الخزانة تستهدف قنوات المال الإيراني

وفق ما ذكره مصدر أمريكي في وزارة الخزانة لـ"إرم نيوز"، تركز المرحلة الحالية من الحملة على شبكات تتقاطع فيها شركات عراقية للتحويل والتجارة مع وسطاء ماليين ومكاتب للذهب في تركيا وصرافين في لبنان، بعدما أظهرت التحقيقات أن بعض المسارات المرتبطة بقوة القدس وكتائب حزب الله استخدمت عائدات تجارية وسيولة عراقية لإجراء تسويات خارج النظام المصرفي المباشر.

وتضع المعلومات الأمريكية أسماء مثل ماجد وعبد الحسن المندلاوي وشركة "شمس وبحر للتجارة" ضمن الجانب العراقي من الخريطة، فيما يخضع نشاط مكاتب مرتبطة بتجارة الذهب والتحويل في إسطنبول لتدقيق أوسع، إلى جانب شبكات لبنانية تضم صرافين وشركات وردت في الحزمة الأخيرة، من بينها حسين إبراهيم وعبد الله حمية وشركة "يوسف إبراهيم منصور وشريكه للصرافة".

وتقوم إحدى الآليات التي تتعقبها الخزانة على تحويل الأموال المتولدة في  العراق إلى تسويات تجارية خارجية، ثم استخدام تجارة الذهب أو الحسابات التجارية لتحويل القيمة قبل وصول جزء منها إلى شبكات الصرافة والنقد في لبنان، وفق المعلومات التي حصل عليها "إرم نيوز"، وهو مسار يسمح للحرس بتقليل الاعتماد على التحويلات المصرفية المباشرة التي يسهل اعتراضها.

وتشمل المرحلة التالية من الحملة، بحسب المصدر، البحث في الشركات التي تعاملت بصورة متكررة مع الجهات المدرجة خلال الأشهر الأخيرة، خصوصًا واجهات التجارة العامة والذهب والصرافة، مع إمكانية توسيع العقوبات إلى أطراف لم ترد أسماؤها في الحزمة الحالية إذا ثبت دورها في استمرار هذه المسارات.

وتوضح هذه البنية سبب انتقال الضغط الأمريكي من معاقبة الأفراد إلى تفكيك المسارات المالية نفسها، إذ يعتمد النظام الإيراني على توزيع الوظائف عبر دول متعددة لتقليل أثر الحظر على كل قناة منفردة، ويؤدي تجميع تلك الوظائف ضمن خريطة واحدة إلى زيادة كلفة التحويل ورفع احتمال انكشاف الوسطاء وإضعاف قدرة طهران على نقل الأموال بسرعة إلى الجماعات التابعة لها.

بغداد تراجع المسارات المالية المرتبطة بالفصائل

وتأتي العقوبات في وقت يتعرض فيه ملف الفصائل العراقية لضغط أمريكي متزايد، بعدما تعهدت بغداد بالمضي في حصر السلاح ومواجهة الجماعات المدعومة من إيران، مع بقاء كتائب حزب الله في مقدمة القوى الرافضة، فيما أغلقت السلطات العراقية معبر الشلامجة مع إيران عقب هجمات بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت سعودية.

وبحسب مصدر عراقي رفيع مطلع على ملف الامتثال المالي، انتقلت أسماء واردة في العقوبات الأمريكية الأخيرة إلى مراجعة لدى البنك المركزي والجهات المعنية بمكافحة غسل الأموال، مع تدقيق العلاقات المصرفية لشركات تحويل وصرافة تعاملت مع أطراف مرتبطة بكتائب حزب الله، وتركيز خاص على الحسابات التي شهدت تحويلات متكررة إلى شركات تجارة عامة خارج العراق.

وتفيد معلومات "إرم نيوز" بأن الإجراءات المطروحة تشمل تقييد الوصول إلى الدولار لبعض الجهات المرتبطة بالشبكات المدرجة، وإلزام المصارف وشركات الدفع بوقف التعامل مع أطراف محددة إذا ظهرت صلات مالية مباشرة معها، إلى جانب فحص المستفيد النهائي من شركات عراقية استخدمت في تسويات تجارية مع الخارج.

كما يرتبط التحرك العراقي بمخاوف من انتقال العقوبات إلى مؤسسات محلية توفر خدمات مالية لهذه الشبكات، بحسب المصدر، ما يدفع بغداد إلى فصل الشركات المتصلة بكتائب حزب الله عن قنوات الدولار الرسمية قبل وصول أي إجراءات أمريكية إضافية إلى القطاع المصرفي العراقي.

العقوبات تقلّص مرونة التمويل الإيراني

من جانبه، يرى الخبير الجيواستراتيجي الأمريكي براندون ويشيرت، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن حملة الخزانة تستهدف نقطة حساسة في استراتيجية إيران الإقليمية تتمثل في استخدام شركات خاصة وصرافة وتجارة ذهب لتحويل الأموال إلى نفوذ سياسي وعسكري، ويعتبر أن توسيع نطاق العقوبات نحو الوسطاء يهدد البنية التي تسمح للحرس بتمويل وكلائه رغم الضغط المباشر على النظام.

ويقدّر ويشيرت أن نجاح الحملة سيتوقف على سرعة انتقال الحكومات والمصارف في الدول المعنية إلى تقييد الحسابات والمعاملات المرتبطة بالأسماء الجديدة، لأن استمرار قدرة إيران على استبدال وسيط بآخر سيطيل عمر الشبكات، فيما يزيد تعقب الشركات والواجهات التجارية المتصلة بها من صعوبة إعادة بناء القنوات بعد إغلاقها.

وكانت وزارة الخزانة قد أطلقت "المنبوذ الاقتصادي" في 24 آب/أغسطس بهدف عزل الموارد المالية للنظام الإيراني، ثم سبقتها في 20 آب/أغسطس حزمة استهدفت شبكة نقل نقد استخدمت رحلات تجارية تربط لبنان وتركيا وإيران لنقل مئات ملايين الدولارات لصالح حزب الله، ما يكشف انتقال واشنطن إلى حملة متتابعة تستهدف مصادر التمويل والوسطاء والقنوات التي يستخدمها الحرس للحفاظ على نفوذه الإقليمي.