المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الاثنين 11 أيار 2026 10:49:04
في النقاش اللبناني الدائر اليوم حول مستقبل النظام السياسي، تعود إلى الواجهة بقوة دعواتٌ إلى إعادة النظر في الصيغة الدستورية القائمة، بل إلى الانتقال نحو نظام فدرالي يُقدَّم أحياناً كعلاج جذري لأزمات الدولة المتراكمة. غير أن هذا الجدل، على أهميته، يفرض العودة إلى سؤال أعمق من مجرد المفاضلة بين نموذجين دستوريين: هل تكمن أزمة لبنان في شكل النظام، أم في غياب الدولة نفسها؟ وهل الفدرالية هي البديل المنطقي عن اتفاق الطائف، أم أن الدفاع عن الطائف—مع استكمال تطبيقه—هو الطريق الأقرب إلى إنقاذ الكيان اللبناني؟
للوصول إلى جواب متماسك، لا بد من قراءة هذا النقاش في ضوء التجربة التاريخية اللبنانية نفسها، لأن لبنان ليس دولة تناقش للمرة الأولى كيفية إدارة تعدديتها، بل هو مختبر سياسي طويل عاش نماذج مختلفة من التوازن بين الطوائف، من نظام القائمقاميتين إلى متصرفية جبل لبنان، ثم الميثاق الوطني، وصولاً إلى اتفاق الطائف. وهذه التجارب، إذا قُرئت بعناية، قد تقدم الجواب الأوضح على النقاش الراهن.
لقد عرف لبنان بالفعل شكلاً قريباً من الفدرالية في نظام القائمقاميتين الذي أُنشئ بعد التوترات الطائفية في منتصف القرن التاسع عشر، حين قُسِّم جبل لبنان إلى قائمقامية ذات غالبية مارونية في الشمال، وأخرى ذات غالبية درزية في الجنوب. كانت الفكرة تقوم على الفصل الإداري بين المكوّنات المتنازعة، أي على إعطاء كل جماعة، مساحة حكم شبه مستقلة، تخفف الاحتكاك وتحدّ من الصراع. لكن النتيجة كانت عكسية. بدل أن يخلق هذا النظام استقراراً، كرّس الانقسام النفسي والسياسي بين الجماعات، وحوّل التمايز الطائفي إلى حدود سياسية غير معلنة، فانتهى بانفجار دموي كبير في عام 1860.
هذه التجربة تحمل دلالة مباشرة للنقاش الحالي حول الفدرالية. فحين تُترجم المخاوف الطائفية إلى كيانات سياسية منفصلة، قد يتحول النظام من أداة لتنظيم التعدد، إلى وسيلة لترسيخ الانقسام. تصبح كل جماعة أكثر اقتناعاً بأن أمنها مرتبط بحدودها الخاصة، لا بالدولة المشتركة. وهذا تحديداً ما يجعل كثيرين ينظرون إلى الدعوات الفدرالية في لبنان بحذر شديد، لا لأنها فكرة دستورية مرفوضة نظرياً، بل لأن الذاكرة اللبنانية تعرف جيداً كيف يمكن للفصل السياسي أن يتحول تدريجياً إلى انفصال نفسي، ثم إلى نزاع وجودي.
في المقابل، شكّلت متصرفية جبل لبنان نموذجاً مختلفاً وأكثر نجاحاً نسبياً، بعد فشل القائمقاميتين، لم يكن الحل في تقسيم الجبل إلى كيانات مستقلة، بل في الحفاظ على وحدة الكيان تحت إدارة واحدة، مع تمثيل متوازن للطوائف في مجلس الإدارة. لم تُلغَ التعددية، ولم تُنفَ الهويات الطائفية، لكن جرى احتواؤها داخل إطار سياسي موحد. وبذلك جاء الاستقرار النسبي لا من الفصل، بل من التوازن؛ لا من الانعزال، بل من الشراكة المنظمة.
وهنا يظهر الرابط العميق مع اتفاق الطائف. فالطائف، في جوهره، ليس مشروعاً لإلغاء الطوائف دفعة واحدة، ولا نظاماً مركزياً صلباً يذيب الخصوصيات، بل هو صيغة لإدارة التعدد اللبناني عبر توزيع الصلاحيات، وتكريس الشراكة، ومنع أي فريق من الهيمنة على الدولة. إنه، إلى حد كبير، الامتداد الحديث لفكرة المتصرفية السياسية: دولة واحدة، مكونات متعددة، توازنات دقيقة، واعتراف متبادل داخل إطار وطني جامع.
لكن الطائف، بخلاف المتصرفية، لم يُطبَّق كاملاً. فاللامركزية الإدارية الموسعة التي نص عليها لم تُنفَّذ، ومجلس الشيوخ الذي كان يفترض أن يطمئن الطوائف لم يُنشأ، وإلغاء الطائفية السياسية بقي شعاراً مؤجلاً، بينما احتكار الدولة للقوة—وهو الشرط الأساسي لأي نظام ناجح—لم يتحقق. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين فشل النص وفشل تطبيقه. ما عاشه لبنان منذ 1989 ليس “جمهورية الطائف” كما صُمّمت، بل مزيج من الوصاية، والمحاصصة، وازدواجية القرار، والانهيار المؤسساتي.
من هنا، تبدو الدعوة إلى الفدرالية لدى بعض اللبنانيين مفهومة من حيث دوافعها النفسية والسياسية، لكنها ليست بالضرورة جواباً عملياً على الأزمة. فالنظام الفدرالي، مهما توسعت صلاحيات أقاليمه، يبقي السياسة الخارجية، والمالية العامة، والأمن القومي، وقرار الحرب والسلم، من صلاحيات الدولة المركزية. وهذه هي تحديداً الملفات التي تشكّل جوهر الأزمة اللبنانية اليوم. فإذا كانت المشكلة تكمن في غياب مرجعية سيادية واحدة، وفي ضعف الدولة المركزية أمام ازدواجية السلطة، فكيف يمكن للفدرالية أن تكون حلاً؟
إذا انحلّت هذه المشكلة، أي إذا استعادت الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، واحتكرت قرارها الأمني والسياسي والمالي، فإن الحاجة إلى الفدرالية تتراجع تلقائياً، لأن أصل الخلل يكون قد عولج. أما إذا بقيت هذه العقد قائمة، فإن الفدرالية لن تحلّها، لأنها لا تمسّ جوهر السيادة، بل فقط توزّع بعض الصلاحيات الإدارية والتنموية. بل إن الخطر الأكبر يكمن في أن تتحول الفدرالية، في ظل أزمة سيادية غير محلولة، إلى إدارة رسمية للانقسام بدل أن تكون مدخلاً للاستقرار.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: لبنان لا يعاني من مركزية مفرطة، بل من غياب المركز الفعلي. الدولة المركزية ليست قوية أكثر من اللازم، بل ضعيفة ومخترقة وعاجزة. لذلك فإن المشكلة ليست أن الأطراف تحتاج إلى مزيد من الاستقلال، بل أن الدولة تحتاج إلى أن تصبح دولة فعلاً.
هذا لا يعني الدفاع عن الجمود، ولا التمسك الأعمى بالنصوص القائمة، بل على العكس: الدفاع عن الطائف الحقيقي يعني المطالبة بتطويره واستكماله. ويعني تحديداً تنفيذ اللامركزية الإدارية الموسعة التي تسمح للمناطق بإدارة شؤونها الإنمائية والمالية بشكل أفضل، من دون المساس بوحدة السيادة. ويعني أيضاً إنشاء مجلس الشيوخ، وتعزيز القضاء، وإصلاح الإدارة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
بهذا المعنى، قد يكون الحل اللبناني ليس في الانتقال من الطائف إلى الفدرالية، بل في الانتقال من “الطائف المعطّل” إلى “الطائف المكتمل”. من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات. من توازن الخوف إلى شراكة الثقة. ومن مركز ضعيف ومشلول إلى مركز سيادي قوي، تحيط به لامركزية فعالة تطمئن المكونات وتمنحها قدرة أكبر على إدارة شؤونها.
إن التاريخ اللبناني نفسه يبدو وكأنه يحسم هذا الجدل. القائمقاميتان علّمتا اللبنانيين أن الفصل الطائفي لا يصنع سلاماً دائماً. المتصرفية أظهرت أن التوازن داخل كيان موحد أكثر قابلية للحياة. والطائف، رغم كل عثراته، يبقى حتى اليوم الصيغة الأقرب إلى هذا المنطق: لا غالب ولا مغلوب، ولا تقسيم ولا إلغاء، بل دولة واحدة تتسع للجميع.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نريد فدرالية أم طائف؟
بل: هل نريد إصلاح الدولة اللبنانية، أم الهروب من أزمتها عبر تغيير اسم النظام؟
إذا كانت المشكلة في السيادة، فلا يحلّها إلا استعادة الدولة. وإذا كانت المشكلة في الإدارة، فاللامركزية المنصوص عليها في الطائف تقدم جواباً كافياً. أما الفدرالية، في الحالة اللبنانية، فقد تكون أحياناً تعبيراً مشروعاً عن القلق، لكنها ليست بالضرورة العلاج الصحيح.
ولعل الدفاع الأكثر عقلانية عن لبنان اليوم لا يكون بالدعوة إلى صيغة جديدة بالكامل، بل بإعطاء الصيغة القائمة فرصة حقيقية لتُطبّق كما كُتبت: دولة واحدة، سيادة واحدة، وشراكة واحدة.