المصدر: النهار
الكاتب: ليلي جرجس
السبت 31 كانون الثاني 2026 09:40:59
وسط التخبّط السياسي والاقتصادي، ومع تصاعد منسوب القلق من اتساع رقعة الحرب في المنطقة، يلوح نور خافت في هذا المشهد الملبّد، كأنه شعلة أمل تتسلّل من قلب الغموض والضياع. أمل كنا ننتظره، من دون أن نُدرك، لنتشبث بالحياة أكثر، لنقول لا لليأس والاستسلام، ولنستعيد إيماننا بأن لبنان، رغم كل ما يثقل كاهله، لا يزال أرض القداسة والرجاء.
هكذا استوقفني منشور على صفحة الرهبانية المارونية المريمية على "فايسبوك"، يعلن منح دائرة دعاوى القديسين الإذن بمباشرة التحقيق في دعوى إعلان تطويب خادم الله الأباتي عمانوئيل الأشقر الشبابي المريميّ المتوفى برائحة القداسة.
لم يكن الخبر عادياً، لكنه في الوقت نفسه لم يُحدث الضجة التي ترافق عادة عناوين السياسة والانتخابات وسائر القضايا الآنية. ومع ذلك، لا يمكن المرور على هذا الإعلان مرور الكرام. ففي زمن تتزاحم فيه الأخبار القاتمة، بدا هذا الحدث بمثابة نقطة ضوء، ونقطة انطلاق نحو عالم نطمح إليه، عالم يُشبه لبنان الذي نريده.
وكما قال رئيس دير سيدة اللويزة، الأب جورج ناصيف، في حديثه لـ"النهار"، فإنّ "كل دعوى تطويب أو تقديس في الكنيسة هي علامة لحضور الروح القدس الذي لا يزال يعمل في قلوب المؤمنين. وكل دعوى هي نعمة من الله لكنيسته". كلمات نتمسك بها ونحن نمضي قدماً في ملف الأب عمانوئيل الأشقر، لنغوص أكثر في عالمه الروحي، ذاك العالم الذي طبع حياة كثيرين بالرجاء والمحبّة والتسامح والعطاء اللامشروط.
يرى الأب ناصيف أنّ قبول فتح دعوى تطويب الأباتي عمّانوئيل الأشقر يُشكّل "تأكيداً لكلام الربّ يسوع في الإنجيل بأنّ الروح يهبّ حيث يشاء، مضيفاً أنّ "الرهبانية والسلطة الكنسية أرسلتا الأباتي عمّانوئيل إلى بلاد الرسالة، فكان مطواعاً لعمل الروح القدس، واستطاع أن يمجّد الله بكل ما قام به"، في شهادة تختصر مسيرة رجل سلّم ذاته بالكامل للمشيئة الإلهية، فصار حضوره رسالة حيّة في حياة من عرفوه وعايشوه.

شهادات الذين عرفوه
لم يعد خافياً أنّ الكنيسة المارونيّة أصبحت منتشرة في أربعة أقطار العالم، حاملة معها إرثاً روحياً متجذّراً في التاريخ. فهي، حيثما وُجدت، في لبنان كما في بلدان الانتشار، ظلّت أمينة لخطّ القداسة الذي انطلق مع مار مارون، مروراً بالقديس يوحنّا مارون، وصولاً إلى آلاف النسّاك والرهبان، وحتى العلمانيين، الذين شكّلوا عبر الأجيال شهوداً أحياء للإنجيل. من سوريا ولبنان، امتدّ هذا الخط الروحي إلى أقاصي الأرض، ليحمل الموارنة بذار القداسة معهم أينما حلّوا.
وكما تتوالى في لبنان دعاوى التطويب والتقديس، يبرز في بلدان الاغتراب حضور مارونيّ فاعل يجسّد القيم الإنجيلية بالفعل لا بالقول فقط، فالموارنة في الانتشار يجذبون بشهادتهم والتزامهم وحبّهم للربّ والكنيسة الكثيرين للتمسّك بالإيمان الصادق والعيش بمقتضى تعاليم الإنجيل.
قد يصعب الحديث عن الأب عمانوئيل دون أن نسترسل بذكر صفاته الروحية وحياته التي كانت أشبه برحلة قداسة صامتة، تحمل نير الحب والتقوى والطاعة. وفي هذا السياق، يؤكد الأب ناصيف أنّ "ما نقرأه من شهادات الذين عرفوا الأباتي عمّانوئيل، خلال رسالته في الأرجنتين، يرينامدى محبّتهم له واحترامه، وكم رأوا فيه رجل الله، الذي يحمل كلّ صفات الخادم الأمين الحكيم". شهادة تختصر مسيرة رجل عاش إيمانه بعمق، وترك أثراً لا يُمحى في حياة من التقوه.
لذلك، منذ وفاته، لم يتوقّفوا عن الكلام على فضائله، وتناقلوها أباً عن جدّ. وقد اعتبروه دائماً الرجل الذي يستحقّ أن يُنظر في دعوى تقديسه. ولعلّ ما كتبه صديقه، الذي رافقه لفترة غير قصيرة من الزمن، السيّد أدواردو ميرابلله، عند وفاته، هو خير دليل على رغبة من عرفه بفتح دعوى تقديسه، ومنذ ذلك الحين "انتشر الخبر المفجع كالبرق في شوارع المدينة وبيوت المؤمنين. فتوافد الناس من كلّ حدب ومن مختلف الطبقات لمشاهدة جثمان الأب القدّيس... وعند المساء، كانت الجماهير غفيرة. وقد أقيم له جنّاز حافل منقطع النظير، تقديراً لأعماله... وكان المجتمعون يرمقونه بنظرة الإجلال ويعتبرونه قدّيساً لحميد صفاته وجليل أخلاقه وفضائله المعروفة لدى الجميع".
توقيت التطويب
لكنّ السؤال حول توقيت طرح ملف إعلان تطويب الأباتي عمّانوئيل، وفتحه باباً على مسار كنسي منظّم ودقيق. يوضح الأب ناصيف أنه مع تولّي صاحب السيادة المطران حبيب شاميه، المنتمي إلى الرهبانيّة المارونيّة المريميّة، رعاية أبرشيّة الموارنة في الأرجنتين، بادر بالتعاون مع آباء الرسالة هناك إلى استكمال المستندات والشهادات اللازمة لفتح دعوى التقديس، ورفعها إلى المراجع المختصّة في الكرسي الرسولي.

وفي 2 كانون الأول 2025، تلّقى المطران حبيب شاميه جواباً من الكاردينال سيميرارو Semeraro، عميد مجمع دعاوى القديسين في روما، أكد فيه عدم وجود أي مانع كنسيّ لفتح دعوى البحث في بطولة الفضائل وحياة وشهرة قداسة الأباتي عمّانوئيل الأشقر، الكاهن والراهب في الرهبانيّة المارونيّة المريميّة.
أما المرحلة التالية، فستتمثّل بتشكيل لجنة أبرشيّة، وفقاً للقوانين الفاتيكانيّة المعتمدة، تُكلَّف بإعداد ملف متكامل يوثّق سيرة حياة الأباتي الأشقر، وبطولة فضائله، وشهرة قداسته. وبعد استكمال هذا الملف، يُحال إلى مجمع دعاوى القديسين في روما، ليُصار إلى متابعته واتخاذ القرار المناسب على ضوئه. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المرحلة التمهيديّة لا تستوجب البحث عن أعجوبة، إذ يُترك ذلك للمراحل اللاحقة من المسار الكنسي.
وأمام هذا الحدث المفصليّ، تتجه الأنظار إلى الرهبانية المارونية المريمية في لبنان وعملها الهادىء بعيداً عن الأضواء في مواكبة هذا الملف ودعمه.
وانطلاقاً من أهمية هذه الخطوة، يشرح الأب ناصيف أن الرهبانية "على أتمّ الاستعداد لتلبية كلّ ما يطلبه المجمع المقدّس". ويشير إلى الدور التوثيقي الذي اضطلع به الأباتي بطرس فهد، المؤرّخ المريمي المعروف، إذ عمل على جمع كامل المراسلات التي جرت بين الرؤساء العامّين المتعاقبين خلال حياة الأباتي عمّانوئيل، إضافة إلى المراسلات المتبادلة بينه وبين أسقف الأبرشيّة ومعاونيه في الأرجنتين آنذاك، وسائر الوثائق المرتبطة برسالته.
وقد جُمعت هذه المواد في كتاب خاصّ بعنوان "ترجمة حياة الأباتي عمّانوئيل الأشقر" الصادر عام 1993، إلى جانب كتاب آخر عنه بعنوان "تاريخ الرهبانيّة"، المجلّد العاشر، الصادر عام 1973.
لم يبقَ اليوم أيّ من الآباء الذين عايشوا الأباتي عمّانوئيل في بلاد الرسالة في الاغتراب على قيد الحياة، غير أنّ الفرصة أتيحت لكلّ من الأباتي لويس فبيطر، والأباتي إلياس سلامة، لمرافقته ومعرفته من قرب.
ومع ذلك، تبقى كتابات الأباتي عمّانوئيل الشخصيّة بمثابة الشعلة الأولى التي يُستند إليها في المراحل التمهيديّة من دعوى التطويب، باعتبارها شاهداً حيّاً على مسيرته الروحيّة والإنسانيّة.
كتابات للأباتي توثق حياته
كتاباتُ تُعيدنا إلى الغوص في عالمه الخاص، إلى نشأته وطفولته، قبل أن تقودنا عبر محطّات حياة تركت بصمة استثنائيّة، لتُعيد الأباتي عمّانوئيل الأشقر اليوم إلى الواجهة. "ما نعرفه عن طفولة وفتوّة الأباتي عمّانوئيل الأشقر هو ما كتبه عن نفسه، بناءً على طلب الكاردينال تيسران، رئيس المجمع الشرقي في روما"، وفق ما يوضح الأب ناصيف، مستكملاً حديثه في التعريف بهذه الشخصيّة الروحيّة.
وُلد الأباتي عمّانوئيل الأشقر في 10 كانون الأوّل 1881، ودخل الرهبانيّة عام 1895، حيث درس اللغتين العربيّة والسريانيّة حتّى عام 1901. ومن لبنان إلى روما، أوفدته الرهبانيّة لمتابعة دراساته العليا، فنال شهادات في الفلسفة واللاهوت والكتاب المقدّس والحقّ الكنسي. وفي عام 1902، عاد إلى وطنه ليُعيَّن مديراً للمدرسة الرهبانيّة في دير مار إلياس شويّا.
عشر سنوات قضاها في لبنان، قبل أن يُلبّي نداء الرسالة ويسافر إلى أميركا الجنوبيّة عام 1912، فاتحاً فصلاً جديداً من مسيرته الروحيّة، التي ستترك أثراً عميقاً في حياة كثيرين.
وفي تلك الحقبة، جرت العادة أن يضاف إلى اسم الراهب، اسم البلدة التي ينتمي إليها، فكان الأباتي عمّانوئيل يُعرف بـ"الشبابي" نسبةً إلى قرية بيت شباب المتنيّة، التي قدّمت للكنيسة عدداً وافراً من الدعوات الكهنوتيّة والرهبانيّة.
يوضح الأب ناصيف أنه "استناداً إلى ما كتبه الأب عمانوئيل عن نفسه، تبين بأن لديه اسماً آخر قبل دخوله الرهبانيّة، إذ يروي الأباتي في مذكراته "إنّ اسمي الأوّل هو فرنسيس، واسم عائلتي الأشقر، وبقيت هكذا حتّى عام 1895 عندما انضويت إلى سلك الرهبنة الحلبيّة في لبنان، وعندئذٍ اتخذت اسم عمّانوئيل... وعندما اشتريت الأرض بقصد تأسيس مسكن عليها، اضطررت أن أسجّل العقار باسمي الأوّل فرنسيس، ثمّ أضفت إليه إسم أبي جوليان، وترجمت اسم عائلتي الى الإسبانيّة باسم روبيو فصار اسمي آنذاك الأشقر روبيو".
أما التفاصيل الأخرى المتعلقة بحياته قبل الدخول إلى الرهبانية فلم يذكرها حتى في كتاباته الخاصة. لكنّ الأب ناصيف يشير إلى أنّ "الجوّ المسيحي الذي عاش فيه الأباتي عمّانوئيل قد أثّر فيه خير تأثير، وكانت عائلته الكنيسة الأولى التي نمت فيها شخصيّته ودعوته.
ويلفت في هذا السياق إلى أنّ للرهبانيّة المارونيّة المريميّة ديراً عامراً قريباً من قرية بيت شباب، هو دير مار بطرس وبولس كريم التين، ومحبسة مار روكز التابعة له، حيث مرّ عبر السنوات عدد كبير من الرهبان والحبساء، ولا سيّما من أبناء بيت شباب، ومن أبرزهم الأب الحبيس عبد المسيح الحايك، الذي توفّي برائحة القداسة.
في مسار حياته، برزت محطات روحية عديدة استعادها أشخاص عرفوا الأب عمّانوئيل من قرب خلال خدمته الطويلة في الأرجنتين، بين عامَي 1920 و1958. ومن شهاداتهم، يتبيّن أنّه كان جريئاً في قول الحق، لا يخشى اللوم، وشجاعاً في الدفاع عن العدل في مواجهة الظلم، كما عُرف بقدرته الاستثنائية على الصمت واحتمال المحن. فقد واجه بصبرٍ لافتٍ الآلام والاضطهادات والرفض التي رافقت تأسيس الكنيسة والمركز في فيّا لينش – الأرجنتين.
أمام هذه التحديات، كان يواجه الصعاب بالدعوة إلى الصلاة والسجود للقربان الأقدس، ملتمساً شفاعة العذراء مريم ومعونتها ليعود السلام ويسود الحب. ويروي مقرّبوه أنّه كان، بعد انتهاء القداس الصباحي، ينجز شؤونه الإدارية في الكنيسة، قبل أن يكرّس وقته لزيارة المرضى والمعوزين، واضعاً خدمته الروحية والإنسانية في صلب يومه.
عاش حياة قائمة على التجرد والتقشّف، فلم يكن يملك من الكسوة سوى ما يكفيه ليومه. وإذا ما قدّم له أحد الميسورين مالاً لتلبية حاجاته الشخصية، كان يوجّهه إلى الكنيسة مصروفاً على تأمين مستلزماتها الضرورية. اتّسم طعامه ببساطة شديدة، وكان يعمل بيديه بلا كلل، ليل نهار. كان باختصار رجلاً نشيطاً وشجاعاً.
ومن أبرز ما ميّزه تروّيه الشديد في الكلام؛ فحين يُطرح عليه سؤال، كان يطيل التفكير قبل الإجابة، إيماناً منه بأنّ "الكلمة متى خرجت من الفم، لا تبقى ملكاً لصاحبها". هذه الصفات، بما حملته من فضائل إنسانية وروحية، دفعت كل من عرفه عن قرب إلى مطالبة الأسقف بفتح دعوى تطويبه، اعترافاً بمسيرته الاستثنائية.
وعن دلالات هذه الدعوى وأهميتها، يشدد الأب ناصيف في حديثه على أنّ "كل دعوى تسمح الكنيسة بفتحها، في أي رهبانية كانت، تشكّل علامة متجددة على نعمة سماوية جديدة يفيض بها الرب على كنيسته". ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من الدعوى الراهنة هو أنّ هذا الراهب "كرّس ذاته بالكامل للرب، فلم يعد يسأل أين أو كيف تتمّ رسالته"، مستشهداً بقول الإنجيل في لوقا: "الحصاد كثير، والفعلة قليلون".
وعليه، تبقى الرهبانية مدعوّة على الدوام إلى قراءة علامات الأزمنة. ويقدّم الأباتي عمّانوئيل الأشقر، اليوم، مثالاً حيّاً على قدرة الرب على صنع العجائب من خلال أشخاص سلّموا ذواتهم له بلا تردّد، ولا شروط أو ضمانات، بل باندفاع كامل واستسلام تام لمشيئته القدّوسة.