المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الثلاثاء 26 أيار 2026 07:20:14
مرة أخرى، أطلّ أمين عام "حزب الله" بخطاب يعكس اتساعًا مقلقًا للفجوة بين الشعارات والواقع. فلا الدمار الهائل، ولا النزوح، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا محو عشرات القرى من الخريطة، دفعت نحو أي مراجعة أو تهدئة. بالعكس، جاء الكلام أكثر تصعيدًا وحدّة، على نحو يكاد يلامس العبث.
المهم أن هذا النمط لم يعد ممكنًا تفسيره بالإنكار أو بـ "فائض القوة"، بل يبدو أقرب إلى مسار تدريجي من الانفصال الأخلاقي، حيث يتراجع الاعتراف بالآخر أمام اليقين الأيديولوجي. وقد تناولت Hannah Arendt هذه الظاهرة في كتاباتها، ولا سيما من خلال مفهوم "تفاهة الشر" (The Banality of Evil)، الذي طوّرته بعد متابعتها محاكمة Adolf Eichmann، أحد أبرز المسؤولين النازيين عن تنظيم عمليات الترحيل إلى معسكرات الإبادة. بالفعل، رأت Arendt أن الشر لا يصدر دائمًا عن وحشية استثنائية، بل قد ينتج أيضًا عن طاعة عمياء ويقين مغلق يفقد القدرة على رؤية الإنسان الآخر.
بالتالي، يمكن أن يصدر العنف السياسي عن أشخاص عاديين يتوقفون عن التفكير النقدي ويطيعون الأنظمة الأيديولوجية بصورة آلية، من دون مساءلة أخلاقية. الأخطر أن الأنظمة التدميرية كثيرًا ما تقدّم نفسها عبر لغة الواجب والضرورة والقدر التاريخي. وهكذا يصبح العنف إجراءً اعتياديًا، وتتحول الكارثة إلى حالة طبيعية، فيما يُختزل الألم الإنساني إلى تفصيل ثانوي أمام قضية مجردة لم تعد تشعر بالحاجة إلى تبرير نفسها في كل مرة.
المقارنة هنا ليست مقارنة تاريخية بين النازية و"حزب الله"، ولا محاولة لمساواة الجرائم أو السياقات، بل محاولة لفهم آلية سياسية وأخلاقية متشابهة: تلك اللحظة التي تصبح فيها العقيدة أقوى من الواقع نفسه، ويغدو الألم الإنساني تفصيلا ثانويًا داخل "المهمة".
ففي الأنظمة الأيديولوجية المغلقة، لا تؤدي الكارثة بالضرورة إلى المراجعة، بل يجري استيعابها وإعادة تفسيرها بوصفها دليلًا إضافيًا على "صواب القضية" وضرورة الاستمرار فيها. لذلك، لا يُنظر إلى الدمار والضحايا باعتبارهم مؤشرًا إلى الفشل، بل يُعاد تأويلهم كبرهان على الأصالة والالتزام.
وهذا تحديدًا ما بات يقلق كثيرًا من اللبنانيين. فبعد الكارثة التي أصابت لبنان، كان يُفترض بأي خطاب سياسي طبيعي أن يمرّ بلحظة شك أو مراجعة. إلا أن ما يظهر هو العكس تمامًا: إعادة إنتاج لغة التعبئة نفسها، والتعامل مع المواجهة بوصفها قدرًا تاريخيًا مفتوحًا مهما بلغت الكلفة البشرية والمادية. فالرسالة الضمنية التي تتكرر أكثر فأكثر هي أن أي مستوى من التضحيات يمكن تبريره، فيما يصبح طرح سؤال بسيط مثل: "هل هناك حدود للتضحية؟" أمرًا غير مسموح به عمليًا.
بالتالي، يشعر كثير من اللبنانيين بأنهم أمام أزمة خطيرة تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، لتطال أسس التعايش نفسها التي باتت أكثر هشاشة. وذلك ليس فقط بسبب الكلفة البشرية والسياسية المستمرة، بل أيضًا لأن وجود "الآخر" كشريك متساوٍ في الوطن يبدو غائبًا عن حسابات "حزب الله"، أو مؤجلا أمام أولوية "القضية"، حيث تُختزل الجماعة الوطنية داخل مشروع يعتبر نفسه أعلى من التعدد والاعتراض.
والأخطر أن الرافضين لهذا المسار لا يُنظر إليهم كخصوم سياسيين طبيعيين داخل وطن مشترك، بل كعقبات أمام هذه "القضية" التي يُفترض أنها تتجاوز الوطن نفسه. وهكذا، يصبح "الآخر" حاضرًا بوصفه تفصيلا ثانويًا، لا ذاتًا سياسية كاملة تستوجب الاعتراف المتكافئ.
لذلك، لم تعد المشكلة تتعلق فقط بوجود سلاح خارج الدولة أو بمجرد سوء تقدير استراتيجي أو إفراط عسكري، بل بتحوّل الكارثة نفسها إلى حالة مُطبَّعة ومستمرة. إذ يبدو لبنان عالقًا داخل سردية دائمة من المواجهة الوجودية، تُبرَّر فيها المعاناة باسم "المقاومة"، ويتحوّل الاستنزاف الوطني إلى واقع اعتيادي.
في هذا السياق، لا يبدو مستغربًا أن يقدّم "حزب الله" نموذجًا من التعايش اللامتكافئ، يجد فيه اللبنانيون أنفسهم داخل نظام تبقى وجهته الاستراتيجية خاضعة لأولويات عسكرية وإقليمية لا يملكون حق تعديلها فعليًا. وهذا الاختلال يطال مفهوم المواطنة نفسه، فيما تتحوّل السيادة إلى فكرة انتقائية، نتيجة احتفاظ طرف واحد بحق اتخاذ قرارات مصيرية تتجاوز الدولة.
باختصار، لم يعد قلق كثير من اللبنانيين يقتصر على الهيمنة العسكرية التي تمارسها مجموعة مسلحة خارج سلطة الدولة، بل بات يتعلق بظهور ثقافة سياسية تتعامل مع التعبئة الدائمة والتضحية والاستنزاف الوطني بوصفها وقائع تاريخية حتمية. ومع ترسّخ هذه الثقافة، يشعر كثيرون بأن التعايش نفسه أصبح موضع شك.
بناءً عليه، فإن خطاب قادة "حزب الله" يستحضر، بصورة مقلقة، عالم Hannah Arendt الفكري، ولا سيما ذلك الجانب المتعلق بكيفية تحوّل اليقين الأيديولوجي إلى حقيقة مطلقة يخفت أمامها صوت الضمير. ومن "تفاهة الشر" إلى ما يمكن تسميته "اعتيادية المقاومة"، تتجلّى لحظة يصبح فيها الاعتياد على الكارثة جزءًا من بنية اليقين الأيديولوجي نفسه.