من دونباس إلى لبنان.. وثيقة سرية تكشف استعانة إسرائيل بخبرات أوكرانيا

كشفت مصادر إعلامية إسرائيلية عن مضمون استشارة تقدم بها الجيش الإسرائيلي لنظيره الأوكراني بشأن سبل التعامل الفعال مع التهديدات المتزايدة للمسيرات الانقضاضية "الدرونز" القادمة من جنوب لبنان. 

وتضمنت الوثيقة أبرز الدروس المستخلصة من تجارب ضباط وقادة ميدانيين في الجيش الأوكراني في آليات التعامل مع المسيرات الانقضاضية، والتي من المقرر أن يتم تكييفها مع تحديات المواجهة المشتعلة على الجبهة الشمالية لإسرائيل.  

ملاءمة ميدانية
وجاءت الوثيقة السرية بناء على استبيانًا مفصلًا أعده رائد الاحتياط "ر"، وهو رئيس قسم التحقيق والتعلم في هيئة العمليات بالجيش الإسرائيلي، وتولت الإجابة عن أسئلة الاستبيان مجموعة كبيرة من الضباط والجنود الكبار الأوكرانيين، على مستوى قيادات السرايا والكتائب في وحدات الطائرات المسيّرة والتكتيكية.

ولضمان الملاءمة الميدانية، بين الأجوبة والسياق العسكري في جنوب لبنان، تولى المؤرخ العسكري "يجيل هنيكين"، من كلية القيادة والأركان الإسرائيلية، مراجعة الوثيقة وتنقيحها عبر عشرات الهوامش والملاحظات الفنية للربط بين واقع الجبهة الأوكرانية والخصائص التشغيلية في الساحة اللبنانية.

توصيات ومحاذير 
واحتوت الوثيقة مزيجا معرفيا ميدانيا عميقا من استقراء الواقع العسكري، وتحديد نقاط الضعف في الجبهة القتالية الإسرائيلية إلى جانب التّوصيات والتّحذيرات التي تقدمت بها المؤسسة العسكرية الأوكرانية لنظيرتها الإسرائيلية. 

حيث تناولت الوثيقة تأثير المُسيّرات على ما يُعرف بـ"عمق منطقة التّدمير" (15–20 كم خلف خطوط المواجهة)، ممّا أربك عمل المدافع والهاونات التقليدية الإسرائيليّة بسبب استهداف محاور العمل اللوجستي.   

وبناءً عليه، شددت التوصيات على تقليل الاعتماد على الهاونات المحمولة البارزة، والتعجيل بالانتقال إلى منظومات المدفعية الحديثة بعيدة المدى، مثل مدفع "روعم" الإسرائيلي الجديد الذي يصل مداه إلى 52 كم لتفادي مدى الطائرات المسيرة.

وفي جانب التمويه والحماية، نبّه التقرير الأوكراني إلى مخاطر استخدام الشباك والمواد القابلة للاشتعال كدروع عشوائية.

في هذه النقطة تؤكد المصادر الإعلامية الإسرائيلية أنّ هذا التنبيه يُفسر سبب رفض القيادة الإسرائيلية مؤخراً استقبال "شبكات حماية" لفائدة القوات العاملة في لبنان. 

كما حذّرت الوثيقة من جيل "حرب الغد" الذي يعتمد على مسيرات الألياف الضوئية العصية على التشويش الإلكتروني، وتقنيات "الرؤية الآلية" والتتبع الذاتي.

فروق جوهرية
وعلى الرغم من هذه التوصيات، غير أنّ الوثيقة تناولت بالدرس الفروق الجوهرية والهيكلية بين المنظومتين العسكريتين الإسرائيلية والأوكرانية في مستوى التعامل والتعاطي مع المُسيرات القتالية وتحديد مجالات عملها. 

ففي أوكرانيا، تُعامل المسيرات كذخيرة رخيصة ومستهلكة تنتج بكثافة عالية وتُتخذ قرارات استهدافها بـ"لامركزية" كاملة من قبل المشتغلين في الميدان، في المقابل يتعامل الجيش الإسرائيلي معها كمعدات قتالية خاضعة للرقابة وبسلسلة قيادة وسيطرة مركزية.  

وفي مستوى نوعية الأهداف، تُركز المسيرات الانقضاضية في الساحة الأوكرانية على المشاة والمدرعات الخفيفة، فيما تستهدف في الميدان اللبناني الآليات الثقيلة والمعززة، وهو ما دفع ميليشيا حزب الله لتطوير مسيرات "FPV" محملة برؤوس حربية صاروخية مضادة للدروع قادرة على اختراق التصفيح الثقيل.

ويأتي الكشف عن مضمون الوثيقة السرية في سياق استراتيجي وعسكري يبدو فيه تل أبيب مستعدة لتغيير عقيدتها الحربية من القتال المباشر نحو الانخراط شبه الكامل في منظومة حروب الغد، والتي تمثل المسيرات الهجومية خيطها الناظم المركزي. 

خطة إنتاج
وأفادت صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، الجمعة، بأن الجيش الإسرائيلي وضع مؤخرا خطة لإنتاج نحو 100 ألف طائرة مسيّرة هجومية سنويا.

وقال المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل، إن الخطوة "ضرورية"، لكنها تتطلب دعما من خلال تغييرات هيكلية وتنظيمية في القوات البرية الإسرائيلية.

وأشار إلى أن من بين الأفكار المطروحة تغيير هيكل المعركة بعيدًا عن التنظيم التقليدي القائم على الكتائب، وإنشاء مزيد من الوحدات الفرعية المتخصصة في عمليات المسيّرات والروبوتات، إلى جانب الألوية.

وأوضح أن تكثيف إنتاج المسيّرات يأتي ضمن الدروس التي تسعى إسرائيل لاستخلاصها من الحرب الروسية الأوكرانية.