من صادر قرار الحرب لا يحق له تخوين التفاوض

كتب عضو المكتب السياسي رستم صعيبي:

في مقاله الأخير، رفع محمد رعد سقف المواجهة السياسية، معتبراً أن هناك من «يفاوض من دون تفويض» و«يستقوي بالعدو ضد اللبنانيين». وهو خطاب يتجاوز الاعتراض السياسي على مسار تفاوضي معين، ليصل إلى حد نزع الشرعية الوطنية عن أي مقاربة مختلفة لمستقبل لبنان وعلاقته بالحرب والسلم.

لكن المفارقة الكبرى في هذا الخطاب أنه يطرح سؤال الشرعية في المكان الخطأ.

فمن يفاوض باسم الدولة اللبنانية، مهما اختلف اللبنانيون معه، يبقى خاضعاً للدستور، ولمؤسسات الدولة، وللمحاسبة السياسية والشعبية. أما من يقرر الحرب منفرداً، ويربط مصير لبنان بصراعات إقليمية، ويضع البلد أمام أخطار وجودية من دون إجماع وطني، فهو عملياً من يصادر حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم.

حين تتفاوض الدولة، فهي تمارس إحدى أبسط وظائفها السيادية: حماية الحدود، تثبيت الاستقرار، منع الحرب، أو معالجة نتائجها. التفاوض ليس خيانة بحد ذاته، وإلا لكانت كل الدول التي خاضت حروباً عبر التاريخ قد سقطت في الخيانة لحظة جلوسها إلى طاولة التفاوض. حتى أكثر الأنظمة عداءً لإسرائيل تفاوضت حين اقتضت مصلحة دولها ذلك، لأن وظيفة الدولة ليست إدارة الحروب إلى الأبد، بل حماية شعبها وأرضها ومؤسساتها.

أما تصوير أي تفاوض على أنه «استقواء بالعدو»، فهو محاولة لإلغاء السياسة نفسها وتحويل أي رأي مخالف إلى تهمة أخلاقية أو وطنية.

والسؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم بسيط وواضح: من فوّض أصلاً قرار فتح جبهة الجنوب؟ ومن فوّض إدخال لبنان في حرب إسناد دفعت البلاد أثماناً بشرية واقتصادية وسياسية هائلة؟ وهل استُشير اللبنانيون حين تحولت أراضيهم إلى جزء من معادلة إقليمية مرتبطة بإيران وصراعاتها؟

هنا تحديداً يظهر التناقض العميق في خطاب الحزب. فحين تقرر الدولة التفاوض يصبح الأمر «بلا تفويض»، أما حين يُتخذ قرار الحرب خارج المؤسسات فلا يعود التفويض ضرورياً.

الأخطر من ذلك أن خطاب «الاستقواء بالعدو» يتجاهل حقيقة أساسية: اللبنانيون الذين يطالبون بحصرية السلاح بيد الدولة لا يطلبون من إسرائيل حكم لبنان، بل يطالبون بأن يصبح قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية وحدها. فالسيادة لا تتجزأ، ولا يمكن بناء دولة فعلية بوجود مشروعين عسكريين وسياسيين داخل البلد نفسه.

ثم إن السؤال  اليوم : إذا كان هدف السلاح حماية لبنان، فلماذا انتهت السنوات الأخيرة إلى دمار واسع في الجنوب، وانهيار اقتصادي أعمق، ونزوح عشرات الآلاف، وخسارة قيادات ، فيما الدولة اللبنانية نفسها باتت مضطرة للتفاوض لتفادي الأسوأ؟

في الواقع، ما يرفضه الحزب ليس التفاوض بحد ذاته، بل استعادة الدولة اللبنانية لدورها الطبيعي. لأن أي عودة فعلية للدولة تعني حكماً إعادة طرح السؤال الذي جرى الهروب منه لعقود: من يملك القرار النهائي في لبنان؟

وهنا تكمن جوهر الأزمة اللبنانية كلها.
فاللبنانيون قد يختلفون حول السياسة الخارجية، أو حول شكل العلاقة مع إسرائيل، أو حتى حول الاستراتيجية الدفاعية. لكن لا يمكن لأي دولة أن تستمر إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسساتها، وإذا أصبح مجرد النقاش حول هذا الأمر يُصوَّر كخيانة أو تآمر.

في النهاية، من يفاوض باسم الدولة يمكن محاسبته في البرلمان، وفي الإعلام، وفي الانتخابات، وعبر المؤسسات الدستورية. أما من يقرر الحرب خارج الدولة، فلا يملك اللبنانيون أي وسيلة فعلية لمحاسبته.

وهذه ليست مشكلة فريق سياسي ضد آخر، بل مشكلة وطن يبحث منذ عقود عن دولة واحدة، لا عن دولتين داخل حدود واحدة.