من "عرش" إلى "سيارة بابوية"... ما قصة "البابا موبيلي"؟

لم تكن سيارة البابا الراحل فرنسيس مجرّد وسيلة نقل جال بواسطتها في شوارع المدينة المقدّسة خلال زيارته بيت لحم عام 2014. فقد تحوّلت هذه السيارة اليوم إلى "مركبة الأمل"، لتصبح عيادة متنقّلة للأطفال في غزة قادرة على علاج نحو 200 طفل يومياً، وذلك استجابة لرغبة البابا الذي لطالما أظهر محبّة خاصة للأطفال الفلسطينيين. ومن هذا التحوّل يبرز السؤال: ما هي السيارات البابوية؟ ما قصتها؟ وهل هي متوارثة؟

يقول مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبدو أبو كسم في حديث إلى "النهار"، إن السيارة البابوية مصمّمة لتنقّل البابا بين الحشود، وهي مخصّصة ليتواصل مع الناس ويمرّ بينهم من خلال الزجاج، وتُشحن من الفاتيكان إلى البلد المضيف في كل زيارة راعوية. ويضيف أبو كسم: "في الماضي كان الحبر الأعظم يُحمل على العرش، ولكل بابا قراراته ومواقفه، فالبابا فرنسيس مثلاً كان يفضّل ركوب السيارات الصغيرة والبسيطة. أما السيارات البابوية فموجودة منذ زمن، لكنها برزت في شكل لافت بعد محاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني عام 1981".

من الكرسي المحمول إلى السيارة
قبل ظهور السيارات، كانت أول وسيلة نقل للبابا عبارة عن عرش احتفالي يُعرف بالكرسي المحمولSedia gestatoria، يُرفع بواسطة عصا طويلة من الجانبين، ويحمله 12 مرافقاً يرتدون زياً احتفالياً أحمر. وقد اختير هؤلاء من أخوية أسّسها البابا أوربان السادس عام 1378. واستمرّت هذه العادة حتى عام 1978، إذ كان البابا يوحنا بولس الأول آخر من استُخدم له الكرسي المحمول، قبل أن تتوقّف هذه الممارسة نهائياً بعدما رفضها البابا يوحنا بولس الثاني مع بداية عصر جديد، وهو ما عكس سلسلة من التحديثات التي شملت منصب البابوية.

أولى المركبات البابوية الآلية الرسمية كانت هدايا قُدّمت إلى البابا بيّوس الحادي عشر عام 1929 لمناسبة المصالحة بين الحكومة الإيطالية والكرسي الرسولي. 
وكان من بينها سيارة سوداء من طراز Graham-Paige Model 837 اكتسبت أهمية خاصة لكونها أوّل مركبة تنقل البابا خارج الفاتيكان منذ عام 1870، إذ نقلت بيوس الحادي عشر إلى بازيليك القديس يوحنا اللاتراني في روما للاحتفال بالذكرى الخمسين لرسامته الكهنوتية.

وعام 1960، خلال عهد البابا يوحنا الثالث والعشرين، شهد الأسطول البابوي إضافة سيارة مكشوفة أتاحت للبابا الوقوف أثناء التنقّل، وزادت إمكان رؤيته للحشود. 
وكانت هذه السيارة، وهي Mercedes-Benz 300D، مزوّدة جهازا لاسلكيا ثنائي الاتجاه، وضوابط للتحكّم في التكييف، ومقعد عرش قابلا لتعديل الارتفاع، إضافة إلى حاجز يدوي يساعد البابا على التوازن أثناء الوقوف.

ورغم وجود هذه السيارات منذ عام 1929، لم يظهر مصطلح "Papamobile" إلا عام 1979، خلال زيارة يوحنا بولس الثاني لإيرلندا، حيث تنقّل في شاحنة صفراء زجاجية شبيهة بمركبات المواكب. لكن الحدث المفصلي كان عام 1981، بعد محاولة اغتياله في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، بينما كان يستقل سيارة Fiat Nuova Campagnola البيضاء المكشوفة. وقد أدّى هذا الحادث إلى تغييرات جذرية في تصميم مركبات البابا، إذ أصبحت الغالبية مجهّزة بنوافذ من الزجاج أو البلاستيك المضاد للرصاص، مع طبقات مقاومة للطلقات. كذلك شملت ألواحاً مدرّعة ودرجة خلفية عند المصدّ الخلفي يقف عليها عناصر الأمن في أثناء التحرك.

في المحصّلة، لم تعد السيارة البابوية مجرّد وسيلة نقل، بل صارت رمزا لمسيرة تطوّرت من عرش محمول إلى مركبات متقدّمة ومدرّعة، مع بقاء الرسالة واحدة: أن يكون الحبر الأعظم قريباً من الناس، مرئياً بينهم، وآمناً أينما حلّ.