من "علي الطاهر" إلى الريحان.. إسرائيل ترسم طريقا جديدا لضرب "عصب" حزب الله

لم تعد المخاوف داخل حزب الله تتوقف عند احتمال خسارة منشأته العسكرية الضخمة في مرتفعات علي الطاهر، إذ تشير معطيات عسكرية لبنانية إلى أن الحزب بات يتعامل مع سيناريو أكثر خطورة، يقوم على انتقال إسرائيل بعد حسم المعركة هناك إلى جبل الريحان وإقليم التفاح والبقاع الغربي، مع احتمال محاولة الالتفاف على دفاعاته عبر جبل الشيخ بدلاً من التقدم بالطريق الأصعب من الجنوب. 

وقال مصدر عسكري لبناني لـ"إرم نيوز" إن التحركات الإسرائيلية في منطقة جبل الشيخ تكثفت أخيراً، وشملت شق طرق عسكرية وربط مواقع بعضها ببعض، بالتزامن مع تدريبات وتحركات لقوات خاصة، ما أثار مخاوف من أن تستخدم إسرائيل وجودها هناك لفتح محور يسمح لها بالضغط على البقاع الغربي والاقتراب من العمق العسكري لحزب الله من جهة غير متوقعة.

وتدعم معلومات منشورة جانباً من هذه المعطيات؛ إذ تحدثت تقارير حديثة عن إنشاء إسرائيل نحو عشر نقاط ومواقع رصد في جبل الشيخ، مدعومة بكاميرات ومنظومات حرارية، إلى جانب شق طرق عسكرية على سفوح الجبل وربط المواقع الجديدة بعضها ببعض.

لكن المصدر يشدد على أن القلق الأساسي لدى الحزب لا يتعلق بما تفعله إسرائيل داخل سوريا بحد ذاته، وإنما بما يمكن أن تتيحه الطرق والمواقع الجديدة من خيارات عسكرية على الجبهة اللبنانية.

ما بعد "علي الطاهر"

وبحسب المصدر، باتت القيادة العسكرية للحزب تتعامل مع احتمال ألا تكون "علي الطاهر" نهاية العملية الإسرائيلية، وإنما بدايتها، خاصةً أن إسرائيل تركز منذ فترة على ثلاثة نطاقات متصلة، هي إقليم التفاح، جبل الريحان، والبقاع الغربي.

وتشير تقارير لبنانية حديثة بالفعل إلى أن تقديرات ميدانية تتحدث عن احتمال انتقال العمليات، بعد علي الطاهر، إلى مرتفعات إقليم التفاح والريحان وصولاً إلى المداخل الجنوبية للبقاع الغربي.

وتكتسب تلة علي الطاهر أهميتها من موقعها المشرف على النبطية وكفر تبنيت ومحاور باتجاه إقليم التفاح والريحان. وذهبت تقديرات عسكرية إلى أن السيطرة عليها قد تمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة التحركات في العمق وتشكيل نقطة انطلاق للضغط على مواقع حزب الله الأبعد شمالاً.

وبذلك، يصبح إسقاط المنشأة الموجودة تحت مرتفعات علي الطاهر، وفق هذه القراءة، كسر البوابة الجنوبية لحزام دفاعي أعمق، وليس مجرد التخلص من منشأة منفردة.

عقدة الريحان وإقليم التفاح

ويقول المصدر العسكري إن إسرائيل تعتقد بوجود منشآت كبيرة لحزب الله في منطقة الريحان وإقليم التفاح، وهي منطقة جبلية وعرة يصل ارتفاع أجزاء منها إلى نحو 1200 متر، ما يجعل أي عملية برية فيها مختلفة تماماً عن العمليات التي نفذتها القوات الإسرائيلية بمحاذاة الحدود.

كما تعتقد إسرائيل بأن الجيش اللبناني لن يتمكن من التحرك باتجاه هذه المنشآت في المستقبل المنظور، وترى أن الظروف مؤاتية للمتابعة نحوها وتفكيكها مرة واحدة وأخيرة.

 مشيرا بالمقابل إلى أن الوصول إليها بالطريق المباشر سيكون بالغ الكلفة. فالتقدم من جهة الخردلي ومحيط النبطية باتجاه إقليم التفاح والريحان يعني تحريك قوات وآليات إسرائيلية عبر محاور يستطيع حزب الله مراقبتها واستهدافها، فضلاً عن الطبيعة الجبلية التي تمنح المدافع أفضلية كبيرة.

وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة في التصور العسكري الإسرائيلي؛ إذ تتحدث تقديرات منذ فترة عن بنية عسكرية للحزب شمال النبطية، بينما أشارت تحليلات حديثة إلى أن إقليم التفاح يمثل أحد أبرز معاقل الحزب العسكرية العميقة، وأن السيطرة على "علي الطاهر" يمكن أن تفتح الطريق للضغط عليه.

الالتفاف من الشرق

وهنا يظهر السيناريو الذي يقلق حزب الله أكثر. فبدلاً من دفع قوات كبيرة من الجنوب نحو النبطية ثم الصعود إلى المرتفعات، يخشى الحزب، وفق المصدر، أن تحاول إسرائيل فتح محور التفاف من جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي، مستفيدة من الطرق العسكرية التي تعمل على تجهيزها ومن قدرتها على مراقبة المنطقة من المرتفعات.

وليست فكرة استخدام جبل الشيخ للضغط على الجبهة اللبنانية جديدة تماماً. ففي مارس/ آذار الماضي نفذت القوات الإسرائيلية عملية انطلقت من الشق السوري لجبل الشيخ باتجاه مزارع شبعا، في تحرك عسكري أظهر إمكانية استخدام المنطقة لفتح مسارات تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية. كما تحدثت تقديرات عسكرية آنذاك عن سعي إسرائيلي للضغط على الطريق الذي يربط الجنوب بالبقاع الغربي وتعقيد حركة الإمداد بينهما.

وتكمن خطورة السيناريو، وفق المصدر، في إمكانية أن تبقي إسرائيل الضغط مركزاً على علي الطاهر وإقليم التفاح، بينما تحاول مفاجأة الحزب من الجناح الشرقي، بما يجبره على توزيع قواته على جبهة واسعة تمتد من النبطية والريحان إلى البقاع الغربي.

لكن تنفيذ عملية بهذا الحجم سيحتاج، بحسب المصدر، إلى غطاء سياسي أمريكي، لأن تجاوز "علي الطاهر" نحو عمق المناطق الواقعة شمال الليطاني سيعني عملياً انهيار وقف إطلاق النار الجزئي والدخول في مواجهة يصعب ضبط حدودها.

تغيير اتجاه المعركة

في تعليقه على هذا السيناريو، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن أهميته لا تكمن في عدد الطرق التي تشقها إسرائيل، وإنما في الخيار العملياتي الذي يمكن أن توفره مستقبلاً.

ويقول النور إن "الدخول إلى إقليم التفاح والريحان من المحور الجنوبي يضع القوات الإسرائيلية أمام تضاريس صعبة ومناطق يستطيع حزب الله مراقبتها وإعداد دفاعات مسبقة فيها، ولذلك فإن فتح محور موازٍ من جهة جبل الشيخ والبقاع الغربي، حتى لو استخدم للضغط أو التشتيت وليس لاجتياح واسع، يمكن أن يغيّر حسابات المعركة".

ويضيف أن "الخطر بالنسبة لحزب الله هو اضطراره للدفاع عن أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، وفقدان ميزة معرفة محور الهجوم مسبقاً"، معتبراً أن الانتقال من "علي الطاهر" إلى الريحان وإقليم التفاح سيعني أن إسرائيل لم تعد تستهدف الشريط الحدودي، بل بدأت اختبار إمكانية تفكيك العمق العسكري للحزب شمال الليطاني. وعندها لن تكون معركة "علي الطاهر" سوى البوابة الأولى لمعركة أكبر بكثير.