من علي الطاهر إلى طاولة المفاوضات…

من المهم التوقف قليلاً أمام عملية التفجير الضخمة التي قام بها الجيش الإسرائيلي ليلة أمس في تلة "علي الطاهر"، والتي قيل انه نتجت منها ارتجاجات كبيرة في الأرض لامست ما يزيد عن 4 درجات على مقياس ريختر، وشعر بها السكان في أنحاء منطقة الجنوب وصولاً الى الشمال الإسرائيلي، وأيضاً اهتزت أركان المنازل من مدينة النبطية لغاية صيدا على الساحل صعوداً إلى قضاءي جزين والشوف.

لقد شكلت هذه الحادثة خاتمةً لمرحلة من مراحل حرب الآخرين على أرض لبنان، منذ أن تورط "حزب الله " في 8 تشرين الأول – أكتوبر 2023 ومن دون استشارة أحد في البلاد، وبلا مقدمات أو أسباب موجبة في فتح جبهة ضد إسرائيل تحت عنوان "حرب اسناد غزة".

وتفجير "علي الطاهر" الذي لم يكتمل بعد، أقرب إلى نهاية مرحلة منه إلى نهاية الحرب، خصوصاً أن "حزب الله" بعد كل ما حصل في حرب "اسناد غزة"، عاد الى التورط في حرب إسنادٍ أخرى في الثاني من آذار – مارس 2026، أدت من الناحية العملية إلى تدمير أجزاء واسعة من الجنوب ثم إلى احتلال إسرائيل مساحة تقارب 700 كلم مربع، وذلك بعد أكثر من ربع قرن على انسحابها منه.

لكن اللافت أن الحزب المذكور أدخل لبنان في حلقة مفرغة تتابع فيها الهجمات الإسرائيلية التي تتغذى من أنشطته العسكرية والأمنية. والحصيلة خسائر على الصعد المختلفة، في الأرواح، والممتلكات، والبنى التحتية، وطبيعة الأرض، فضلاً عن النزوح الضخم، وصولاً إلى التهجير الذي يمكن أن يتحول إلى تهجيرٍ مديد وربما دائم.

تكمن المشكلة الأساسية في عملية عملية زرع عقول البيئة الحاضنة للحزب بأوهام وأساطير تمثل النقيض الجوهري للواقع والحقائق الملموسة. فأسطورتا "الردع" و"توازن الرعب" اللتان كان يتغنى بهما الحزب عادتا لتكشفا حقائق مختلفة خلال حربي إسناد غزوة إيران، وذلك بعدما تبين أنه كلما كان قادة الحزب المذكور يغرقون في الديماغوجيا والبروباغاندا غير الواقعية، كان الإسرائيليون يعدّون للضربة القاصمة التي كانوا سيؤدونها عند أول استحقاقٍ قتالي كبير. هذا ما حصل من خلال "عملية البيجر"، وفي مسلسل الاغتيالات الواسعة النطاق التي شطبت من المعادلة الصفين الأول والثاني من القادة العسكريين والأمنيين الرئيسيين. وهذا أيضاً ما اتضح من خلال سقوط نظرية تفوق الحزب في القتال على الأرض بعدما تمكن الإسرائيليون من احتلال 700 كلم مربع من الجنوب اللبناني والوصول الـى مداخل عاصمة "جبل عامل" النبطية! واستقرت معادلة بسيطة قوامها في مقابل الصاروخ الذي يطلقه الحزب تدمر عشرات المنازل والحارات في كل مكان، ويحل الموت والدمار مطاردَين كل وجوه الحياة!

على رغم معارضة "حزب الله" وبعض القيادات اللبنانية وعلى رأسهم الرئيس نبيه بري للمفاوضات، ولـ"اتفاق الإطار" الثلاثي، بات واضحاً اليوم أنه المسار الوحيد االمنطقي الذي يفتح طريقاً أمام لبنان، للخروج من حالة حروب الآخرين على أرضه إلى مرحلة الحلول الديبلوماسية والمفاوضات التي تهدف إلى منح اللبنانيين فرصة جديدة للحياة والازدهار. والمهم جداً أن ندرك أن الضغط الأميركي على إسرائيل جدّي للغاية لضبط اندفاعها وميلها نحو الحرب والعنف، ودفعها إلى تقديم تنازلات. ومن هنا كانت واشنطن ولاتزال تراهن على خطة "المناطق التجريبية"، فضلاً عن انها رحبت بمواقف معلنة عبرت عنها بيانات صادرة عن السفارة في لبنان، ببدء انتشار الجيش بشكل أكثر معالجة في مدينة النبطية. بمعنى ان الولايات المتحدة تراهن على لبنان الدولة، والجيش اللبناني لتحقيق انسحابات سريعة للجيش الإسرائيلي من لبنان. انها ورقة تفاوض مهمة، ولا بديل واقعياً منها رغم ضجيج المعارضين.

إن انسحاب إسرائيل من لبنان يتسارع كلما تسارعت خطى الدولة اللبنانية في تعزيز قواها، واعطائها أوامر واضحة بإحكام السيطرة على أي بقعة تدخلها أو تنتشر فيها.  فالامتحان داخلي أمام اللبنانيين، وخارجي أمام المجتمعين العربي والدولي على حد سواء. من هنا ندعو الدولة إلى الإسراع في وضع تلة "علي الطاهر" خلف ظهرها والذهاب إلى طاولة المفاوضات في روما! هذا هو مفتاح تغيير المستقبل…