من "كفنو" إلى لبنان الكبير: البطريرك الحويك بين ضرورة الجغرافيا وامتحان الدولة

في تاريخ الأمم، هناك لحظات لا تكون فيها القرارات الكبرى نتاج خيارات مثالية، بل محاولات للبحث عن طريق نجاة في زمن الانهيار. فالقادة التاريخيون لا يتحركون في فراغ، بل داخل ظروف تفرض عليهم أسئلة وجودية تتعلق ببقاء الجماعة ومستقبلها.

من هذه الزاوية، تبرز شخصية البطريرك الياس الحويك (1843-1931) باعتبارها إحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً وإثارة للنقاش في تاريخ لبنان الحديث. فهو ليس فقط البطريرك المرتبط بقيام لبنان الكبير عام 1920، ولا فقط الشخصية التي تستعيدها الذاكرة اللبنانية في مناسبة تطويبه، بل هو أيضاً رجل مرحلة تاريخية استثنائية شهدت انهيار السلطنة العثمانية، والحرب العالمية الأولى، ومأساة المجاعة التي ضربت جبل لبنان.

ولعل أفضل مدخل لفهم مشروع الحويك السياسي ليس البدء من مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، بل العودة إلى تلك المأساة التي تركت أثراً عميقاً في الوعي اللبناني: مجاعة جبل لبنان، أو "كفنو" (ܟܦܢܐ).

لم تكن "كفنو" مجرد نقص في الغذاء، بل كانت انهياراً لمنظومة الحياة نفسها. فقد اجتمعت خلال الحرب العالمية الأولى عوامل عدة: الحصار البحري، انقطاع طرق التجارة، مصادرة المحاصيل، انتشار الجراد، وسياسات الإدارة العثمانية زمن الحرب، لتنتج واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية في تاريخ لبنان الحديث (Fawaz, 2014). ولم يكن أثر المجاعة اقتصادياً فقط، بل كان اجتماعياً ونفسياً أيضاً، إذ تركت جرحاً عميقاً في ذاكرة مجتمع رأى أبناءه يموتون جوعاً.

لقد كشفت هذه المأساة حقيقة أساسية: أن متصرفية جبل لبنان، رغم خصوصيتها الإدارية والسياسية منذ عام 1861، كانت تفتقر إلى عناصر أساسية تجعلها قادرة على مواجهة أزمة كبرى. فقد كانت تملك خصوصية سياسية، لكنها لم تكن تملك ما يكفي من الموارد الزراعية، ولا المرافئ، ولا العمق الاقتصادي الذي يسمح لها بالاستقلال عن محيطها.

ومن هنا يمكن فهم أحد الأبعاد الأساسية في مشروع الحويك. فمطالبته بتوسيع حدود جبل لبنان لم تكن مجرد رغبة في التوسع الجغرافي، بل ارتبطت بفكرة أعمق: أن الكيان السياسي لا يستطيع أن يعيش من دون مقومات مادية تؤمن استمراره.

عندما ذهب الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، لم يحمل معه فقط مطلب الاعتراف بخصوصية لبنان التاريخية، بل حمل أيضاً تصوراً لكيان قادر على الحياة. ولذلك طالب بضم مناطق لم تكن بالنسبة إليه مجرد أراضٍ إضافية، بل عناصر ضرورية لبناء الدولة. فبيروت كانت المنفذ البحري والتجاري، والبقاع كان العمق الزراعي والأمن الغذائي، والمناطق الأخرى كانت توفر امتداداً جغرافياً واقتصادياً أوسع (Hokayem, 2002).

ومن هنا تظهر أهمية إعادة قراءة مشروع لبنان الكبير بعيداً عن الاختزال. فالحويك لم يكن يفكر بالجغرافيا باعتبارها حدوداً فقط، بل باعتبارها شرطاً من شروط الدولة. فالكيان الذي يفتقر إلى الموارد والمنافذ الاقتصادية يبقى هشاً أمام الأزمات الدولية، مهما كان الاعتراف السياسي به.

وهذا التفكير يقترب من المنطق الجيوسياسي الذي يرى أن قوة الدول لا تقوم فقط على المؤسسات السياسية، بل أيضاً على الموقع والموارد والقدرة الاقتصادية (Spykman, 1942). ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أن مشروع الحويك كان محاولة لمعالجة ضعف المتصرفية وتحويلها إلى كيان يمتلك عناصر البقاء.

لكن هنا تظهر المفارقة التاريخية الكبرى.

فالجغرافيا التي أراد الحويك من خلالها حل مشكلة المتصرفية الاقتصادية، فتحت في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً جديداً. فلبنان الكبير لم يكن مجرد جبل توسع، بل أصبح دولة تضم مناطق ومجتمعات ذات تجارب تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة.

وهنا انتقل السؤال من:

كيف نحمي جبل لبنان إلى كيف نبني دولة قادرة على إدارة هذا التنوع؟

وهذا هو الامتحان الذي رافق لبنان منذ تأسيسه. فإقامة كيان أوسع لا تعني تلقائياً قيام دولة مستقرة. فالدولة تحتاج، إلى جانب الجغرافيا، إلى مؤسسات سياسية قادرة على إدارة الاختلاف، وإلى عقد اجتماعي يسمح للمكونات المختلفة بالشعور بالشراكة والانتماء (Lijphart, 1977).

لذلك، فإن تقييم تجربة الحويك يجب ألا يقع في فخ إصدار أحكام مبسطة. فالرجل تحرك في سياق تاريخي شديد التعقيد: إمبراطورية تنهار، حدود تعاد صياغتها، ومجتمع خرج من كارثة إنسانية كبرى. وقد كان همه الأساسي، وفق منطقه التاريخي، تأمين إطار سياسي يعتقد أنه قادر على حماية شعبه وضمان مقومات بقائه.

لكن التاريخ يميز دائماً بين منطق القرار لحظة اتخاذه وبين نتائجه بعد مرور الزمن. فالحويك حاول معالجة مشكلة الكيان الصغير غير القابل للحياة، لكنه ترك للأجيال اللاحقة مهمة أصعب: بناء دولة قادرة على إدارة الكيان الجديد.

وهنا تكمن المفارقة في إرثه: لقد نجح في الانتقال من المتصرفية إلى الدولة، لكنه لم يكن قادراً وحده على الإجابة عن كل الأسئلة التي ستطرحها الدولة الجديدة.

إن إعادة قراءة الحويك اليوم لا تعني تمجيده سياسياً ولا محاكمته تاريخياً. فالشخصيات الكبرى تُفهم ضمن ظروفها، لا فقط من خلال نتائج أفعالها. وقد يختلف اللبنانيون في تقييم بعض الخيارات المرتبطة بمرحلة تأسيس لبنان الكبير، كما يختلف المؤرخون في قراءة آثارها بعد قرن من الزمن. لكن هذا الاختلاف لا يلغي أهمية فهم اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الخيارات.

وفي مناسبة تطويبه، تبرز ضرورة التمييز بين مستويين: مستوى الإيمان الذي يرى في حياته مسيرة فضيلة وخدمة، ومستوى التاريخ الذي يدرس القرارات السياسية ونتائجها. فالتطويب لا يعني إعلان عصمة الخيارات السياسية، كما أن النقد التاريخي لا ينتقص من قيمة المسيرة الروحية والإنسانية.

فالحويك لم يكن مجرد رمز سياسي، ولا يجوز اختزال حياته في مشروع لبنان الكبير وحده. كان قبل كل شيء رجل إيمان حمل مسؤوليته أمام الله والإنسان. وربما تختصر عبارة "الله يراني" جانباً من روحه التي جعلت العمل العام بالنسبة إليه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مشروعاً سياسياً. أما العبارة التي تلخص نظرته الإيمانية فهي: "المجد لله دائماً، لله وحده"؛ أي أن الإنسان، مهما كان موقعه وتأثيره، يبقى في النهاية خادماً لقضية أكبر منه.

وهكذا، فإن قراءة الحويك لا تهدف إلى تحويله إلى رمز سياسي فقط، ولا إلى انتقاد خياراته، بل إلى فهم إنسان عاش مأساة "كفنو"، وحاول أن يحول الألم إلى مشروع، والجغرافيا إلى دولة، والمسؤولية إلى رسالة.

وربما يبقى السؤال الذي حمله الحويك إلى التاريخ سؤالاً مفتوحاً حتى اليوم:

كيف نبني دولة لا تكتفي بحدودها، بل تكون قادرة على حماية الإنسان الذي يعيش داخل هذه الحدود؟