المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ايلي الياس
الثلاثاء 10 شباط 2026 07:07:39
لم تكن نشأة الحياة النسكية في الشرق ظاهرة روحية منعزلة عن التاريخ، بل جاءت كإجابة عميقة على تحوّلات سياسية ودينية كبرى شهدتها الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ففي البيئة الأنطاكية تحديدًا، اتخذ النسك طابعًا فريدًا: لم يكن انسحابًا من العالم، بل إعادة تأسيس لمعنى الوجود الإنساني في زمن انهيار المرجعيات القديمة. ومن هذه البيئة، خرج القديس مار مارون، لا كمجرّد ناسك فردي، بل كنقطة انطلاق لمسار روحي – تاريخي سيتحوّل لاحقًا إلى جماعة، ثم إلى كنيسة، ثم إلى مشروع تاريخي متكامل.
يوثّق ثيودوريطس أسقف قورش، في كتابه تاريخ أصفياء الله، سِيَر كبار النساك الأنطاكيين بين القرنين الرابع والخامس، مقدّمًا شهادة أساسية عن الحياة الرهبانية في تلك المرحلة. ويبرز مار مارون في هذا السياق بوصفه نموذج “النسك في العراء”، تحت قبّة السماء، في انكشاف كامل على الله والطبيعة والتاريخ. هذا الخيار لم يكن تفصيلاً شكليًا، بل موقفًا جذريًا: رفض السقف، رفض الحماية المصطنعة، وعيش الحقيقة بلا وساطة.
اختار مار مارون رابية كان يقوم عليها هيكل وثني مهجور، وحوّل المكان من عبادة الضلال إلى عبادة الله. لم يهدم الهيكل، بل أعاد توجيه معناه. وهذه النقطة بالذات تحمل دلالة تأسيسية: الروح المارونية، منذ بدايتها، لم تقم على محو التاريخ، بل على إعادة تأويله، وتنقيته، وتوجيهه نحو معنى أسمى. هذا النمط سيلازم الجماعة التي ستتكوّن لاحقًا حوله.
لم يكن مار مارون مؤسس مدرسة لاهوتية، ولا مشرّعًا كنسيًا، لكنه كان "زارعًا". هكذا يصفه ثيودوريطس: زرع غروس الفلسفة، أي رجالًا ونساءً اختاروا نمط حياة صارمًا، شظفًا، قائمًا على الحرية الداخلية والانضباط الروحي. هؤلاء لم يكونوا أتباعًا بالمعنى التنظيمي، بل جماعة إنارية، تستمد وحدتها من المثال، لا من النص؛ من السيرة، لا من المؤسسة.
من هنا، لا يمكن فهم الكنيسة المارونية بوصفها نتيجة قرار سياسي أو تطوّر إداري لاحق، بل كثمرة طبيعية لمسار نسكي تحوّل إلى جماعة، ثم إلى ذاكرة، ثم إلى هوية. فالدير الذي بُني لاحقًا على اسم مار مارون في منطقة أفاميا لم يكن مجرد مبنى، بل إعلان انتقال من النسك الفردي إلى الجماعة المنظمة، دون فقدان الروح الأصلية: روح الحرية، والاستقلال، والعيش على التخوم.
هذه الجماعة، التي ستُعرف لاحقًا بالمارونية، حملت معها سمات النسكية الأنطاكية إلى الجبال، لا هربًا من العالم، بل حمايةً للحرية. فالانتقال إلى الجبال لم يكن انعزالًا جغرافيًا، بل خيارًا سياسيًا و حضاريًا قبل أن يكون دينيًا. الجبل صار فضاءً للحفاظ على الإيمان الحر، واللغة، والتنظيم الذاتي، في وجه سلطات متعاقبة سعت إلى التوحيد القسري، سواء باسم العقيدة أو باسم الإمبراطورية.
من هنا، يصبح المشروع اللبناني، في جذوره العميقة، مشروعًا مارونيًا بامتياز، لا بمعنى الإقصاء الطائفي، بل بمعنى التأسيس. فلبنان لم يولد كحلّ توافقي متأخر، بل كامتداد طبيعي لفكرة مارونية مركزية: العيش الحر في التعدد، وحماية الإنسان من الذوبان في الإمبراطوريات. الكنيسة المارونية لم تكن فقط مؤسسة دينية، بل إطارًا جامعًا حافظ على الجماعة، ونقلها من النسك إلى التاريخ.
القديس مار مارون لم يؤسس دولة، لكنه أسّس عقلية: عقلية الاستقلال الداخلي، وعدم الارتهان للسلطة، والقدرة على تحويل الهشاشة إلى قوة. هذه العقلية نفسها هي التي ستنتج لاحقًا فكرة الكيان، ثم فكرة لبنان الكبير، ثم مفهوم الوطن كمساحة حرية لا كغنيمة سلطة.
اليوم، حين يُفرَّغ المشروع اللبناني من مضمونه، ويُختزل في تسويات ظرفية أو توازنات قسرية، يصبح استلهام مار مارون ضرورة فكرية لا طقسًا دينيًا. فالمارونية، إن أرادت أن تبقى وفية لمؤسسها، ليست مدعوة إلى الدفاع عن امتياز، بل إلى استعادة دورها كجماعة إنارة: شاهدة للحرية، وحارسة للتعدد، ورافضة لأي مشروع يختزل لبنان في وظيفة أو محور.
مار مارون لم يكن قديس الانسحاب، بل قديس التأسيس الصامت. ومن نسكه في العراء، وُلدت جماعة، ومن الجماعة وُلدت كنيسة، ومن الكنيسة تبلور مشروع.