من 1983 إلى اليوم... سلوك "عاطل" لسفراء إيران في لبنان

 يُعد التدخل الإيراني في الشأن اللبناني أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في التاريخ الحديث للشرق الأوسط، حيث لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة لظروف آنية، بل هو نهج تراكمي بدأ منذ مطلع الثمانينيات ووصل اليوم إلى مرحلة “الاستباحة الكاملة” للسيادة الوطنية. بالعودة إلى الجذور، نجد أن الصدام الدبلوماسي والسياسي بين الدولة اللبنانية وطهران ليس أمراً مستحدثاً، بل هو صراع قديم حول مفهوم “الدولة” مقابل “الثورة”.
في عامي 1983 و1984، وتحديداً خلال عهد الرئيس أمين الجميل وحكومة شفيق الوزان، شهد لبنان مواجهة دبلوماسية شرسة مع إيران. آنذاك، استشعرت الدولة اللبنانية خطورة تغلغل عناصر الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) الذين دخلوا تحت عباءة المساعدة، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى قوة عسكرية تدير العمليات على الأرض.
اتخذت حكومة الوزان حينها قرارات جريئة شملت طرد عناصر الحرس الثوري، وطلب الخارجية اللبنانية من السفير الإيراني مغادرة البلاد. لم يكن هذا القرار نابعاً من رغبة في الخصومة، بل كان رداً على تحول البعثة الدبلوماسية الإيرانية من مهمة “تمثيل سياسي” إلى “غرفة عمليات عسكرية” تمول وتدعم طرفاً ضد آخر، وتذكي الصراعات البينية، كما حدث في المعارك مع حركة أمل آنذاك.
اليوم، يعيد التاريخ نفسه لكن بنسخة أكثر حدة وخطورة، إذ لم يعد التدخل الإيراني مجرد دعم سياسي، بل تحول إلى استباحة لقرار السلم والحرب، وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين طهران من جهة، وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، بمعزل عن مصلحة الشعب اللبناني.
تحول القرار العسكري إلى يد “الحرس الثوري”، حيث تُستخدم الجبهة اللبنانية كـ “سلعة” أو “ورقة ضغط” على طاولات المفاوضات الدولية ، كما أن الدعم غير المحدود الذي يتجاوز حدود الدولة وقوانينها، مما خلق “دويلة” أقوى من “الدولة”.
السلوك الإيراني تجاوز كافة الأعراف، فحوادث مثل اغتيال هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية، وصولاً إلى الانخراط في ملفات أمنية كبرى، تؤكد أن السفارة باتت مركزاً أمنياً أكثر منها تمثيلاً دبلوماسياً، وخصوصاً عملية تفجير البيجر التي فضحت السفير الإيراني السابق.
وما يروجه البعض بأن قرارات طرد السفير الإيراني اليوم أتى بقرار منفرد من الوزير جو رجيّ، فهو مخطئ، مصادر مطلعة تؤكد أن قرار طرد السفير لم يكن مبادرة شخصية من الوزير ، بل كان قراراً نابعاً من إجماع رئاسي ثلاثي وبتنسيق مع أركان الدولة، بمن فيهم الرئيس نبيه بري.
من الناحية القانونية، تقول المصادر لـ”صوت بيروت إنترناشونال”، إنه عندما يفقد الدبلوماسي شروط الاعتماد ويخرج عن مقتضيات الاتفاقيات الدولية (مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية)، تسقط حصانته وتنتفي صلاحية بقائه، وما يشهده لبنان اليوم من تدخل “سافر” عبر البيانات الرسمية للحرس الثوري التي تتحدث بوضوح عن تنسيق وتعاون بينها وبين الحزب المحظور، يستوجب وقفة سيادية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة.
إن الاستقواء بالخارج لتحقيق مكاسب داخلية حوّل لبنان من “رسالة” إلى “صندوق بريد”، وبينما كان طرد السفير في الثمانينيات محاولة لترميم السيادة، يبدو أن لبنان اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، يحتاج إلى استعادة قراره المخطوف ومنع تحويل أراضيه إلى منصة لخدمة مشاريع توسعية لا تجلب للبنان سوى الدمار والعزلة الدولية.