موازنة 2026 تحت ضغط الحرب والنزوح: إيرادات الخزينة على المحك!

ارتكزت موازنة عام 2026 على فرضية متفائلة ترتقب استمرار التحسن التدريجي في حصيلة إيرادات الدولة، نتيجة الإجراءات العديدة التي اتخذتها وزارة المال على مستوى ضبط التهرب الضريبي بمختلف أشكاله وخفض التهرب الجمركي في شكل ملحوظ، بعد وضع أجهزة السكانر الجديدة في الخدمة، وتعزيز الجباية وزيادة الحصيلة الضريبة الفعلية من مختلف مصادرها. غير أن اندلاع الحرب وما رافقها من اضطراب وعدم استقرار أمني واقتصادي، أعادت طرح علامات استفهام حول واقعية هذه التقديرات في ضوء التطورات السلبية المستجدة، ولا سيما أن القسم الأكبر من الإيرادات التي بنيت عليها تقديرات الموازنة مرتبط مباشرة بحركة الاقتصاد والتجارة والاستيراد. ومع تراجع النشاط الاقتصادي وازدياد الضغوط على المالية العامة لتمويل الإغاثة وإدارة تداعيات النزوح وأضرار البنى التحتية، يبدو أن تنفيذ موازنة 2026 أمام اختبار صعب قد يفرض إعادة تقييم فرضياتها الأساسية وحجم العجز المتوقع فيها، إذا طالت الأزمة.

تمكنت وزارة المال من رفع حجم موازنة عام 2026 بنحو مليار دولار، بعدما زادت قيمة الإيرادات والنفقات المقدرة إلى نحو 6 مليارات دولار، مقارنة بنحو 5 مليارات دولار في موازنة 2025، بما يعكس رهانات الوزارة على استمرار التحسن في الإيرادات السنوية، خصوصا بعد النتائج التي تحققت خلال العام الماضي.

فخلال 2025 سجلت الإيرادات الجمركية ارتفاعا ملحوظا لتبلغ نحو 2.27 ملياري دولار، مقابل 1.67 مليار دولار في 2024، وهو ما كان له دور أساسي في تحقيق فائض في الميزانية العامة. ويعود هذا التحسن إلى سلسلة إجراءات اتخذتها وزارة المال لتعزيز الامتثال الضريبي والجمركي، من بينها فرض الحجر الجمركي على الشركات المتخلفة عن تسديد ضريبة الدخل، إضافة إلى تجهيز المعابر الحدودية بأجهزة سكانر لتشديد الرقابة على السلع المستوردة والحد من التهرب.

توازيا، رفعت الوزارة تقديرات الإنفاق العام، إذ أظهرت مراجعة الموازنة زيادة مخصصات الرواتب والأجور وملحقاتها بنسبة 37% خلال هذه السنة، إلى جانب ارتفاع بند المنافع الاجتماعية بنسبة 25%. وأفضت مناقشات لجنة المال والموازنة إلى إضافة اعتمادات جديدة لإعادة الإعمار، ليصل مجموعها إلى نحو 89 مليون دولار.

وعليه، ذهبت الغالبية الساحقة من الزيادة في الإنفاق الإجمالي إلى 3 بنود أساسية: الرواتب والأجور، وشبكات الحماية الاجتماعية، وتمويل إعادة الإعمار. 

غير أن التطورات الأمنية الأخيرة غيرت إلى حد كبير البيئة والظروف الاقتصادية التي بنيت عليها تقديرات الموازنة. فمع توسع تداعيات الحرب، بات من المرجح أن تتراجع وتيرة النشاط الاقتصادي، وهو ما سينعكس مباشرة على حجم الأعمال في الشركات وعلى القدرة الاستهلاكية للأفراد، وتاليا على الحصيلة الضريبية.

الخبير في المعهد اللبناني لدراسات السوق وشؤون الموازنة العامة غسان بيضون يشير إلى أن "الظروف الأمنية وعدم الاستقرار قد يدفعان المواطنين إلى الحد من الإنفاق إلا في حدود الضرورة، ما يؤدي إلى انخفاض رقم أعمال الشركات والمكلفين وتراجع الإيرادات الضريبية. كذلك قد يتأثر الاستيراد بدرجات متفاوتة، وهو ما ينعكس بدوره على الإيرادات الجمركية التي شكلت أحد أعمدة التحسن المالي خلال العام الماضي. إلى ذلك، يفرض الواقع الجديد أعباء إضافية على الخزينة العامة، أبرزها كلفة إغاثة النازحين والإنفاق الطارئ المرتبط بالأوضاع الإنسانية والخدماتية، فضلا عن ارتفاع أسعار النفط وما قد يسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد".

بحسب بيضون، فإن "حجم التأثير الفعلي على الموازنة سيبقى مرتبطا بمدى استمرار الأزمة وتطورها. فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات ابتعاد الإيرادات الفعلية عن التقديرات التي بُنيت عليها الموازنة".

من حيث المبدأ، وقياسا على التجارب المشابهة السابقة، يرى بيضن احتمال ظهور عجز على مستويين:
- عجز في الخزينة قصير الأجل نتيجة تأخر الإيرادات وارتفاع المدفوعات، وهو ما قد يدفع الدولة نحو اللجوء إلى تمويل موقت من خلال أرصدة الخزينة لدى مصرف لبنان، إذا لم تكن الهبات والمساعدات الخارجية المحتملة كافية لمواجهة الأعباء المستجدة.

 -عجز في تنفيذ الموازنة إذا استمر التفاوت بين الإيرادات المتوقعة وتلك المحققة فعليا خلال السنة، في ما لو طالت الأزمة من دون إيجاد البدائل والإجراءات الكافية لخفض مستوى العجز.
مع ذلك، يرى بيضون أن "الحكم النهائي لا يزال مبكرا، لأن الأزمة لم يمضِ عليها سوى فترة قصيرة، ما يفرض في المرحلة الحالية إدارة حذرة للخزينة وضبط الإنفاق قدر الإمكان، مع حصره في النفقات الضرورية".

وتوازيا مع الضغوط المتزايدة على المالية العامة، يبقى احتمال تدفق المساعدات الخارجية أحد العوامل التي قد تخفف جزئيا عبء الإنفاق المرتبط بإغاثة النازحين وتداعيات الحرب الإنسانية، وفق ما يقول بيضون، بيد أن التحدي الأكبر سيبرز بعد انتهاء الأزمة، حين تفرض متطلبات إعادة الإعمار ومساعدة المتضررين ورشة مالية واقتصادية واسعة لإعادة النظر في أولويات الإنفاق وسياسات المالية العامة.