ندوة مشتركة بين جامعة الرّوح القدس – الكسليك وملتقى التّأثير المدني

نظّمت جامعة الرّوح القدس – الكسليك (USEK)، بالتّعاون مع ملتقى التّأثير المدني (CIH)، ندوةً بعنوان "المواطنة في الدُّستور: نحو رؤيةٍ جامعةٍ للحقوق والانتماء والمسؤوليّة"، حاضر فيها رئيس المجلس الدّستوري سابقًا الدّكتور عصام سليمان، وأدارها المدير التّنفيذي لملتقى التّأثير المدني الدّكتور زياد الصّائغ، في إطار الشّراكة الأكاديميّة الهادفة إلى تعميق النّقاش حول دولة المواطنة، والانتظام الدّستوري، ودور المؤسّسات في إعادة بناء دولة المواطنة السيّدة الحرّة العادلة المستقِلّة.

إستُهلّت الندوة بكلمة ترحيبيّة لعميد كلية الحقوق والعلوم السياسية البروفسور رزق زغيب بإسم رئيس جامعة الرّوح القدس – الكسليك البروفسور جوزيف مكرزل، رحّب فيها بالدّكتور عصام سليمان، رئيس المجلس الدّستوري سابقًا، ضيفًا على الجامعة ومحاضرًا فيها. وأشاد زغيب بمسيرة سليمان "الأكاديميّة والدّستوريّة والسّياسيّة، وبثباته في مواقفه وقناعاته، مشيرًا إلى خبرته التي جمعت بين تدريس الحقوق والعلوم السّياسيّة والتأليف والممارسة في الشّأن العام". كما أثنى على "مبادرة ملتقى التأثير المدني في تنظيم اللّقاءات والحوارات الهادفة إلى إبراز الأفكار التي تحمل مشروعًا لخلاص الوطن ونهوض الدّولة".

إكتسبت الندوة دلالةً خاصّة في ضوء اقتراب لبنان من مئويّة الدّستور اللّبناني 1926–2026، بما يجعل المناسبة، وفق ما طرحه الصّائغ، "أبعد من محطّةٍ احتفاليّة، لتصبح لحظة مراجعة ومساءلة للتّجربة الدّستوريّة اللّبنانيّة. ماذا حقّق قرنٌ من هذه التّجربة في بناء المواطن/ة والدّولة؟ وأيّ مواطنة يريد اللّبنانيّون/ات أن يحملوها معهم إلى المئويّة الثّانية؟". وشدّد الصّائغ في تقديمه للندوة على "أنّ المواطنة لا يمكن اختزالها بمفهومٍ قانونيٍّ مجرّد، بل هي علاقة دستوريّة حيّة بين الإنسان والدّولة، تقوم على ثلاثيّة الحقوق والانتماء والمسؤوليّة. فالدّستور ليس فقط نصًّا ينظّم السّلطة، بل هو عقدٌ يؤسّس لعلاقة المواطنين/ات بعضهم ببعض، ولعلاقتهم بالدّولة، ويحدّد الحقوق والحرّيّات والواجبات والضّمانات التي تجعل الانتماء الوطني ممارسةً يوميّة لا مجرّد هويّة قانونيّة".

وطرح الصّائغ إشكاليّة الفجوة بين المواطنة الدّستوريّة والمواطنة الفعليّة، متسائلًا " هل يتمتَّع اللُّبنانيَّات واللُّبنانيُّون فعلًا بالحقوق والفرص نفسها، ويخضعون للقواعد والواجبات نفسها؟ أم إنَّ الطَّائفة والزَّعامة والوساطة والزَّبائنيَّة ما زالت تتدخَّل بين المواطن وحقوقه، وبين المواطن والدَّولة؟ وهنا يصبح السُّؤال أبعد من النُّصوص هل المشكلة في الدُّستور، أم في عدم تطبيقه، أم في منظومة الممارسة السِّياسيَّة التي عطَّلت مبدأ المساواة وحوَّلت بعض الحقوق من استحقاقاتٍ دستوريَّة إلى امتيازاتٍ تُكتسب عبر شبكات النُّفوذ؟". كما أكّد الصّائغ أنّ " لبنان مجتمعٌ تعدُّديّ، وهذه التَّعدُّديَّة يمكن أن تكون مصدر غنى، لكنَّ التَّحدِّي هو ألَّا تتحوَّل إلى بديلٍ من المواطنة أو إلى وسيطٍ إلزاميّ بين الفرد والدَّولة" منتقلّا إلى سؤال السّيادة بوصفه جزءًا لا ينفصل عن سؤال المواطنة " هل يمكن أن تكون هناك مواطنةٌ كاملة في دولةٍ منقوصة السِّيادة أو متعدِّدة مراكز القرار؟ وإذا لم يكن المواطنون جميعًا خاضعين لمرجعيَّة الدَّولة الواحدة، فكيف تتحقَّق المساواة بينهم؟ وكيف يصبح الانتماء إلى الدَّولة جامعًا إذا لم تكن هي وحدها صاحبة السُّلطة والقرار وسيادة القانون على كامل أراضيها؟"

من جهته، قدّم الدّكتور عصام سليمان مقاربةً دستوريّةً متكاملة لمفهوم المواطنة، إنطلاقًا من "العلاقة بين المواطن/ة ودولة المواطنة، إذ المواطنة هي الرّابطة التي تجمع المواطنين/ات وتوحّدهم في الانتماء إلى وطن يحتضنه كيان سياسيّ وحقوقيّ هو الدَّولة"، وأنّها "تقترن بوعي المواطن وإدراكه لحقوقه وواجباته ومسؤوليّاته تجاه وطنه. وهذه الأمور تجد تعبيراً عنها في واقع الدَّولة وأداء مؤسَّساتها وعلاقاتها بالمواطن، والسّياسات التي تضعها وتنفّذها، فالمواطنة لا تختزل بالانتماء التَّقليديّ غير الواعي للوطن، فهذا الانتماء سرعان ما يتبدّد إذا لم يقترن بسياسات تمكّن المواطن من التمتّع بحقوقه وتحمله على القيام بواجباته وتحمّل مسؤوليّاته". وتوقّف سليمان عند "الضّمانات التي أرسى دعائمها الدّستور اللّبناني منذ العام 1926، لأنّ هذا النِّظام يضمن حقوق المواطنين/ات وحرّيّاتهم الأساسيّة، ويرتّب عليهم واجبات تجاه وطنهم ودولتهم، ويجعل الشَّعب مصدر السُّلطات ويحمّله مسؤوليّة اختيار ممثّليه في مجلس النُّوّاب ومساءلتهم ومحاسبتهم، بالإضافة إلى تعديلات العام 1990، بموجب وثيقة الوفاق الوطني، التي أكّدت على المواطنة وعلى حقوق المواطنين وعلى المساواة والعدالة، فجاء فيها أنّ لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه، وأكّدت الالتزام بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والمواثيق الدَّوليّة الرَّاعية لهذه الحقوق وأنّ الدَّولة تجسّد المبادئ الواردة فيها في جميع الحقول والمجالات دون استثناء".

وفي تشخيصه لأزمة الممارسة، رأى سليمان أنّ "ما حدث في الواقع جاء في جوانب أساسيّة منه معاكسًا لروحيّة الدّستور، فالمحاصصة في الحكومة أدّت إلى محاصصة في الإدارات العامّة، وهذا ما أدّى بدوره إلى التَّبعيّة للزَّعيم وإلى الزَّبائنيّة، فلم تعد الكفاءة والنَّزاهة السَّبيل المؤدّي إلى تولّي الوظيفة العامّة، إنّما التَّبعيّة لزعيم الطَّائفة، ما ساهم في نشر الفساد على نطاق واسع، وتبديد المال العام ونهبه وتحصُّن الفاسدين بطوائفهم، ما أساء أكبر أساءَة إلى هذه الطَّوائف". وشدّد سليمان على أنّ "لا أمل بإنقاذ المواطنة في لبنان إلّا ببناء دولة المواطنة، الدَّولة التي تشكّل ضمانة فعليّة للمواطنين على مختلف انتماءاتهم الدِّينيّة والمذهبيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، الدَّولة التي تجعل المواطن يتمتّع بحقوقه ويعيش بكرامة، وذلك من خلال سياسات تعتمدها وتنفّذها في مختلف المجالات، دولة القانون والمؤسَّسات، دولة العدالة. الدَّولة التي تستعيد ثقة المواطنين بها وثقة دول العالم". وفي الشّق الإصلاحي، دعا سليمان إلى "معالجة الثّغرات التي تعيق انتظام عمل المؤسّسات. وهي توفير شروط العيش الكريم للمواطنين ووضع قانون انتخابات نيابيّة يوسّع قاعدة التمثيل ويفتح الباب واسعًا أمام التعدّديّة في تمثيل الطوائف. وتوسيع صلاحيّات المجلس الدّستوريّ وإعطاء المواطنين حقّ مراجعته من خلال المحاكم، ووضع قانون يعزّز استقلاليّة السّلطة القضائيّة".

وبعد نقاشٍ مع المشاركات والمشاركين، خلصت الندوة إلى أنّ أزمة المواطنة في لبنان ليست أزمة نصوصٍ فحسب، بل أزمة تحويل الدّستور إلى ممارسة، والحقوق إلى سياسات، والانتماء إلى دولة، والمسؤوليّة إلى مشاركةٍ ومساءلة ومحاسبة. وإنّ استعادة الدّستور بوصفه عقدًا جامعًا، وتوحيد مرجعيّة الدّولة، وتطبيق مبدأ المساواة، واستقلال المؤسّسات، وانتظام الاستحقاقات الدّستوريّة، تشكّل مرتكزاتٍ مترابطة للانتقال من مواطنةٍ معلّقة في النّصوص إلى دولة مواطنةٍ فعليّة يكون فيها الإنسان مواطنًا/ة أوّلًا، متساويًا/ة مع سائر المواطنين/ات وشريكًا/ة في صناعة الخير العام.