المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الاثنين 18 أيار 2026 13:36:31
على امتداد السنوات الماضية، لم يكن ينقص لبنان الخطط والدراسات بقدر ما كان ينقصه الانتقال من الورق إلى التنفيذ. عشرات المشاريع وضعت لها التصورات والخرائط وأُنجزت دراسات الجدوى، لكن كثيرا منها بقي عالقا بين الأزمات السياسية والمالية والأمنية، فتحولت الملفات إلى أرشيف من الوعود المؤجلة. من هنا، يعود مشروع إعادة إحياء خط السكك الحديد بين طرابلس والعبودية ليطرح نفسه مجددا، مشروعا حيويا يعيد وصل لبنان بمحيطه الاقتصادي والإقليمي.
فقد شهد مرفأ طرابلس توقيع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني وثائق المناقصة الخاصة بمشروع تحديث خط السكك الحديد الممتد من طرابلس إلى منطقة العبودية على الحدود اللبنانية – السورية.
خط طرابلس – العبودية ليس مشروعا مستحدثا، بل يشكل جزءا من الخط الحديدي التاريخي الذي كان يربط مرفأ طرابلس بمدينة حمص السورية قبل توقفه عام 1975 مع اندلاع الحرب اللبنانية.
وعام 2007، وافق مجلس الوزراء على تكليف مجلس الإنماء والإعمار توفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل الخط عبر قروض خارجية، بيد أن المشروع عاد وتجمد مع تعاقب الأزمات.
اليوم، يعاد فتح الملف مجددا بدعم رسمي من رئاستي الجمهورية والحكومة، وبالتنسيق بين وزارة الأشغال ومرفأ طرابلس ومصلحة السكك الحديد والنقل المشترك، في إطار رؤية تقوم على تحويل شمال لبنان إلى منصة لوجيستية متكاملة تربط المرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومطار الرئيس رينيه معوض بخطوط النقل الإقليمية.
تحديث الدراسات لا إعداد مشروع جديد
بحسب المدير العام للنقل البري والبحري أحمد تامر، فإن العمل الحالي لا ينطلق من الصفر، بل يقوم على تحديث الدراسات السابقة التي أنجز آخرها عام 2018 تقريبا. ويوضح أن الإدارات المعنية أعدت دفتر شروط لاختيار استشاري عالمي يتولى تحديث الدراسات وإعداد دفتر شروط المناقصة التنفيذية.
ويشير إلى أن "الرؤية الاقتصادية المطروحة تقوم على اعتبار مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة والسكك الحديد جزءا من منظومة اقتصادية واحدة، يمكن أن تتحول إلى قاعدة اقتصادية إقليمية إذا نفذت فعليا.
أما المدير العام لمصلحة السكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، فيؤكد لـ"النهار" أن المشروع يستند إلى دراستين سابقتين، موضحا أن "الدراسة الجديدة غايتها التوصل إلى دفتر شروط تنفيذي يسمح بالانتقال إلى مرحلة التلزيم والتنفيذ".
ربط المرفأ بالعمق السوري
أهمية المشروع لا ترتبط فقط بإعادة تشغيل خط نقل داخلي، بل بربط لبنان بالشبكات الحديدية الإقليمية. فالمشروع يندرج ضمن ما يعرف بـ"كوريدور إسكوا" الذي وقّعه لبنان عام 2003، والهادف إلى ربط الدول العربية بشبكات نقل حديثة تمتد من الخليج إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا.
ويبلغ طول خط طرابلس – العبودية نحو 35 كيلومترا فقط، ما يجعله من أقصر الخطوط المقترحة وأقلها تعقيدا من ناحية التنفيذ، خصوصا أن جزءا كبيرا من مساره لا يزال قائما ولا يحتاج إلى استملاكات واسعة.
إلا أن نجاحه يبقى مرتبطا بإعادة الربط بالشبكة السورية، لذلك يجري تنسيق مباشر بين الجانبين اللبناني والسوري، وسط حديث عن اجتماعات مشتركة مرتقبة لاستكمال البحث في الربط السككي بين العبودية وحمص.
ويؤكد شيا أن الجانب السوري أبدى موافقة مبدئية، وأن العمل يجري بالتوازي مع خطط أوسع للربط بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا، ما يعطي المشروع بعدا إقليميا يتجاوز الحدود اللبنانية.
جدوى اقتصادية واسعة
الجدوى الاقتصادية للمشروع واضحة، سواء في نقل البضائع أو الركاب. فإعادة تشغيل السكك الحديد من شأنها أن تخفض كلفة النقل والشحن كثيرا مقارنة بالشاحنات. يتوقع أن يسهم المشروع في تخفيف فاتورة المحروقات التي تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنويا، إضافة إلى تقليص الازدحام والتلوث وخفض الكلفة الصحية الناتجة من تلوث الهواء.
ويعوّل على المشروع لتنشيط حركة الترانزيت عبر مرفأي بيروت وطرابلس نحو سوريا والعراق والخليج، خصوصا أن حجم الترانزيت العربي بلغ نحو 240 مليار دولار عام 2017، فيما تصل القدرة الاستيعابية لمرفأ بيروت إلى نحو 1.5 مليون حاوية سنويا، مقابل نحو 600 ألف حاوية لمرفأ طرابلس.
ماذا عن التنفيذ؟
رغم التفاؤل الرسمي، يبقى السؤال الأساسي مرتبطا بإمكان التنفيذ الفعلي، بعدما شهد المشروع أكثر من دراسة ومحاولة سابقة لم تستكمل.
في هذا الإطار، يرى تامر أن ما يميز المرحلة الحالية هو "جدية الإدارات المعنية"، مشيرا إلى أن "تحديث الدراسات سيقود إلى طرح المشروع أمام المستثمرين".
من جهته، يشدد زياد شيا على أن المبادرة الحالية انطلقت من الجهات المعنية مباشرة بالتعاون مع مرفأ طرابلس، بعدما أظهرت الدراسات وفوراً قد يصل إلى ما بين 70 و80 في المئة في كلفة النقل.
ويكشف شيا أن "مرفأ طرابلس يتكفل بتمويل الدراسة الحالية باعتباره المستفيد الأول من المشروع"، لافتا إلى أن "التنفيذ قد يبدأ خلال سنة ونصف سنة إذا استقرت الأوضاع، فيما يمكن إنجاز الخط خلال سنة إلى سنة ونصف سنة إضافية إذا تولت التنفيذ شركات عالمية متخصصة".
بنية قائمة وفرصة إقليمية
من العناصر التي تعزز فرص التنفيذ، وجود جزء من البنية التحتية الأساسية. ففي عام 2004، جرى شراء نحو 5500 طن من قضبان السكك الحديد، لا تزال مخزنة في مرفأ طرابلس، ويجري حاليا فحصها للتأكد من صلاحيتها للاستخدام.
وتملك مصلحة السكك الحديد نحو 10 ملايين متر مربع من الأراضي، وتعمل بالتعاون مع القضاء والأجهزة الأمنية على إزالة التعديات عنها، ما يسهل تنفيذ المشاريع المستقبلية.