المصدر: أساس ميديا
الكاتب: جوزفين ديب
الاثنين 5 كانون الثاني 2026 08:02:35
شاهد العالم، السبت، واحداً من الأحداث التاريخيّة التي تشبه أفلام هوليوود. فريق “دلتا فورس”، نخبة الجيش الأميركيّ والمتخصّص بالمهمّات الصعبة، ينفّذ إنزالاً في عقر دار الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو ويعتقله مع زوجته سيليا فلوريس. حصل هذا الأمر بعد مجموعة رسائل كان قد وجّهها الرئيس دونالد ترامب لمادورو. كانت واحدة منها في المكالمة الهاتفيّة المباشرة بين الرجلين في 21 تشرين الثاني الماضي. المكالمة التي دامت خمس عشرة دقيقة، وفيها كان ترامب واضحاً: إمّا أن ينفّذ مادورو المطالب الأميركيّة أو السقوط. فهل ما حصل في كراكاس يمكن أن يتكرّر في طهران عبر الأميركيّين، وفي بيروت عبر إسرائيل؟
لا فرق بين كراكاس وطهران
كما وجّه ترامب رسائل مباشرة إلى كراكاس، يوجّه رسائله حاليّاً إلى طهران، خصوصاً بقوله في مؤتمره الصحافيّ مساء السبت في فلوريدا إنّ اعتقال مادورو وجّه مؤشّرات لكلّ العالم. كان ترامب سبق أن وجّه في آخر الرسائل إلى إيران تحذيراً للسلطة الإيرانيّة من التعرّض للمتظاهرين، وإلّا فستشهد طهران تدخّلاً أميركيّاً مباشراً. بالتوازي، لا خيارات أمام طهران عمليّاً في الملفّ النوويّ أوّلاً، ولا في تمدّدها في المنطقة ثانياً. أمّا التصلّب في الموقف فلن يلاقي أقلّ من مصير مادورو في فنزويلّا.
حتّى الساعة تبدو الأمور صعبة، لا سيما أنّ المرشد علي خامنئي كتب على موقع “إكس” جملةً فيها ردّ مباشر على واشنطن: “لن نركع أمام أعدائنا”. وهذا ما سيفتح مجالاً للتصعيد في المرحلة المقبلة.
في التاسع والعشرين من كانون الأوّل الماضي، التقى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو مع ترامب في فلوريدا. كان من صلب مباحثاتهما الملفّ الإيرانيّ. في المرّة الأخيرة التي اجتمع فيها نتنياهو بترامب عاد الأخير إلى تل أبيب واندلعت حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران في حزيران الماضي. ما الذي يضمن عدم تكرار المشهد، لا سيّما أنّ مواقف خامنئي لا تشير إلى نيّة طهران الامتثال للشروط الأميركيّة؟
هذا هو السؤال الذي لا جواب عليه بعد، لكن تتحدّث أوساط دبلوماسيّة غربيّة عن أنّ ترامب لا يزال حتّى الساعة في مرحلة التفاوض العلنيّ مع طهران، على اعتبار أنّ مواقفه ليست سوى دعوة لإيران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. أمّا إذا استمرّ رفض طهران، فإنّ المسار الآخر سيكون حتماً هذه المرّة دخولاً أميركيّاً أمنيّاً أو عسكريّاً إلى طهران لإسقاط النظام، وليس للترويض كما كان الهدف في المرّة الأخيرة. ويعتمد ترامب في هذا السياق على عوامل عدّة داخل إيران وخارجها. في طهران تظاهرات يوميّة احتجاجاً على انهيار العملة الإيرانيّة وتدهور الوضع الاقتصاديّ. خارج طهران، انتفاضة عراقيّة صامتة ضدّ سلاح الفصائل الموالية لإيران، وسكوت حوثيّ لافت بعد أشهر من الضجيج، فيما بيروت تتفلّت تدريجاً من النفوذ الإيرانيّ.
لبنان: الكلمة الفصل لإسرائيل
في لبنان الوضع مختلف انطلاقاً من أنّه أصغر وأضعف وأقلّ أهميّة من أن يتدخّل فيه الأميركيّون بشكل مباشر. وانطلاقاً من هذا المعطى، تنظر واشنطن إلى لبنان حاليّاً على أنّه ورقة إسرائيليّة، وأيّ حرب فيه أو أيّ إجراء آخر ستكون لإسرائيل الكلمة الفصل فيه. ولتأكيد ذلك، لم يكن لبنان في اجتماع فلوريدا الأخير طبقاً رئيساً ولا ثانويّاً لأنّه يُعتبر “تحصيل حاصل” في ما يجب أن يحصل فيه على مستوى السلاح والمال.
بناء على هذا الوضع، يبدو نتنياهو واثقاً من قدرته على استغلال الضوء الأخضر الأميركيّ في لبنان للقضاء على سلاح “الحزب” بشكل نهائيّ، وتقويض اقتصاد الكاش الذي يموّل منظومة “الحزب”.
بانتظار الخميس المقبل، موعد انعقاد جلسة الكابينت المخصّصة لبحث سلاح “الحزب”، لا بدّ من متابعة إشادات نتنياهو ووزير خارجيّته جدعون ساعر بالعمليّة الأميركيّة في فنزويلّا، وكأنّها قد أعطت الضوء الأخضر لأيّ عمليّة ممكنة لإسرائيل في لبنان. صحيح أنّ تل أبيب لا تحتاج إلى عمليّة كراكاس لتبرّر أيّ عمليّة لها في لبنان، لكن تقول مصادر غربيّة متابعة لـ”أساس” إنّ هذه العمليّة تثبت لكلّ العالم أنّ إدارة ترامب للعالم لا تحتمل المراوغة، وأنّ كلام نتنياهو عن شرق أوسط جديد بما فيه لبنان بعد السابع من تشرين الأوّل ليس كلاماً عابراً.
هل تدفع عمليّة كراكاس لبنان إلى التعاطي بشكل مختلف مع متغيّرات المنطقة؟ لا بدّ من ذلك إذا أراد اللبنانيّون بشكل عامّ، و”الحزب” بشكل خاصّ، تجنيب لبنان السقوط التامّ. يفيد الكلام الدبلوماسيّ حتّى هذه الساعة، على الرغم من كلّ شيء، بأنّه لا تزال أمام لبنان نافذة دبلوماسيّة ضيّقة يستطيع من خلالها النجاة. فهل تنجح؟ لا شكّ أنّ السوابق اللبنانيّة لا تشجّع على وضع الآمال الكبيرة على ذلك، لكنّ اللبنانيّين في الوقت الراهن لا حول ولا قوّة لهم سوى القليل من الأمل أن لا يتحوّل لبنان إلى إيران ثانية.