هاني يحذر من انعدام أمن غذائي حاد: أكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي تضرر

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، بالتعاون مع المعهد العالي للصحة العامة في جامعة القديس يوسف في بيروت، جلسة حوارية بعنوان "تداعيات الحرب على الأمن الزراعي والغذائي والبيئي وتحديات التعافي في لبنان"، للبحث في التداعيات والآثار الجسيمة الناتجة عن الحرب المستمرة منذ العام 2023 على القطاعات الزراعية والغذائية والبيئية في لبنان، بمشاركة أكاديمية وبحثية ضمت وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، مدير المركز في بيروت الدكتور ناصر ياسين ومديرة المعهد البروفسورة ميشيل قصرملي أسمر، وتحدث فيها كل من عميدة كلية الزراعة في الجامعة اللبنانية الدكتورة نادين ناصيف، مدير برنامج الأرض والموارد الطبيعية في جامعة البلمند الدكتور جورج متري ومديرة ومؤسسة ecocentra لمى بشور، وأدارتها ألاستاذة المشاركة في المعهد الدكتورة سحر عيسى ومشاركة نخبة من المهتمين.

ياسين

افتتح الجلسة الدكتور ناصر ياسين، مستعرضا الأضرار البالغة التي لحقت بلبنان، حيث أشار إلى أن "ما يقرب من ربع سكان لبنان باتوا في عداد النازحين والمهجرين، في حين تأثر نحو 19 في المئة من اللبنانيين بالأمن الغذائي الحاد بسبب الحروب والأزمات التي ألمت بالبلاد، وتم حرق نحو ربع الثروة الحرجية (نحو خمسة ألاف هكتار) والزراعية في جنوب لبنان"، مستشهدا ب"كلفة الحرب على القطاع الزراعي، التي بلغت بحسب أرقام وزارة الزراعة نحو 800 مليون دولار أميركي".

ودعا ياسين إلى "عدم اليأس أو الاستسلام على الرغم من أن الأرقام تبعث على اليأس"، وأكد "ضرورة توثيق الجرائم الإسرائيلية ضد البيئة والسكان المحليين، بعيدا من الاصطفافات السياسية التي تقضم الجسد اللبناني"، وأشار الى أن "ما نقوم به نحن وشركاؤنا في جامعة القديس يوسف ومع وزارة الزراعة، هو التعاون والمبادرة والمقاربة حول كيفية حل هذه المشكلات، وذلك عبر التوثيق العلمي والعمل البحثي والغوص في كل هذه الأرقام والبيانات والخرائط مع غيرنا من الزملاء والشركاء، سواء في الحكومة والادارات الرسمية أو المؤسسات غير الحكومية أو الجامعية".

واستذكر ياسين "تجربة حرب العام 2006"، قائلا: "إن وزارة البيئة وناشطون في جمعيات بيئية لبنانية ودولية، قاموا بأخذ موضوع تدمير معمل الجية والخزانات النفطية، إلى المحافل الدولية، حيث أدى هذا العمل إلى إصدار قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أعطى الحق للبنان بأن يتقاضى تعويضا ماليا، يتوجب على إسرائيل أن تدفعه بسبب الضرر البيئي. فالمطالبة بإحقاق الحق هو أمر يجب أن نستمر فيه والعمل عليه".

وختم مشددا على اننا "في المركز العربي في بيروت مع شركائنا، مؤمنون بالعلم والحق والانفتاح، وبفتح باب النقاش حول هذه القضايا".

قصرملي أسمر

من ناحيتها استعرضت البروفيسورة قصرملي أسمر، "الآثار غير المباشرة والممتدة للحروب"، فأكدت ان "المعركة الحقيقية تبدأ فور توقف صوت المدافع، حيث يتجسد الخطر الأكبر في "الانهيار الصامت" الذي يصيب صحة الناس وغذائهم وبيئتهم، وهي أبعاد تمس تفاصيل الحياة اليومية وتستهدف الفئات الأكثر هشاشة".

وشددت على أن "مواجهة هذه التحديات المعقدة تتطلب رؤية متعددة التخصصات وشراكة عابرة للقطاعات تجمع بين الزراعة والبيئة والصحة العامة والحماية الاجتماعية، لتجاوز مرحلة "تشخيص الأزمات" نحو "بناء القدرة على الصمود".

وقدمت خريطة طريق واضحة ترتكز على "تعزيز المعرفة ودعم التعاون الإقليمي وصياغة سياسات قائمة على الأدلة العلمية لتحقيق تعاف عادل ومستدام"، معتبرة أن "التجربة اللبنانية الغنية بالدروس يمكن أن تلهم المنطقة بأسرها للتحول من النقاش إلى الفعل وصناعة مستقبل أفضل للأجيال المقبلة".

الوزير هاني

بدوره، تناول وزير الزراعة في الكلمة الرئيسية للقاء، "التداعيات العميقة وغير المسبوقة للحرب المستمرة على القطاع الزراعي والأمن الغذائي في لبنان". وقال: "وفقا لبيانات أيار 2026، تضرر أكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية (ما يعادل 22.5% من المساحة الإجمالية للبنان)، وتجاوزت الخسائر الإنتاجية 530 مليون دولار، فضلا عن الأضرار المباشرة التي تخطت 41 مليون دولار".

واشار الى أن الحرب "تسببت في نزوح آلاف المزارعين ونفوق الثروة الحيوانية وتدمير البنى التحتية، وسط توقعات بمواجهة 1.24 مليون شخص لانعدام أمن غذائي حاد، وتزايد نسبة المحتاجين للدعم إلى 24 في المئة".

وأكد أنه "على الرغم من التحديات وفجوات التمويل، فإن قطاع الأمن الغذائي يقود استجابة طارئة لدعم نحو مليون شخص بميزانيات تفوق 131 مليون دولار وبمشاركة 77 شريكا"، عارضا لـ"جهود الاستجابة والخطط المستقبلية، وما اتخذته وزارة الزراعة من خطوات تنظيمية تؤكد أن الزراعة ليست قطاعا هامشيا، بل هي ركيزة الصمود الوطني والأمن الغذائي لحماية الأرض والإنسان".

متري

وتحدث في الندوة الدكتور جورج متري، فأكد أن "آثار الحرب على الموارد الطبيعية في لبنان تكشف عن أضرار تتجاوز الدمار الظاهر، حيث أدت إلى اضطراب كبير في الأنظمة البيئية والزراعية والإنتاجية. وهي تشمل احتراق الغابات، وتدهور الأراضي الزراعية، وفقدان التنوع البيولوجي والتعرية وتفكك الموائل الطبيعية، ما أدى إلى تراجع قدرة النظم البيئية على الصمود".

ورأى أن "هذه التأثيرات تمتد لتشمل اضطرابات في الأنظمة المائية وانهيار سبل العيش، خصوصا في محافظتي الجنوب والنبطية الغنيتين بالموارد الطبيعية. وتشير التقديرات الأولية إلى خسائر تقارب 750 مليون دولار، مع احتمال ارتفاعها بسبب التدهور الطويل الأمد. وعلى الرغم من ذلك، فقد لا تعكس التقويمات السريعة الحجم الكامل للأضرار. لذا، من الضروري إجراء تقويمات علمية دقيقة وشفافة، مع إشراك الجامعات ومراكز البحث".

وشدد على أن "التعافي المستدام يجب أن يتجاوز إصلاح الأضرار المباشرة ليشمل استعادة التوازن البيئي وتعزيز القدرة على الصمود مستقبلا".

بشور

من ناحيتها شاركت لمى بشور الحضور بيانات للبنك الدولي تتناول حجم الدمار البيئي غير المسبوق في لبنان، نتيجة العمليات العسكرية بين عامي 2023 و2025، حيث "بلغت الخسائر المباشرة نحو 501 مليون دولار، إضافة إلى أكثر من 759 مليون دولار خسائر غير مباشرة بسبب تعطل النظم البيئية"، وأشارت إلى "تضرر أكثر من 63 ألف هكتار من الغابات والمراعي والأنظمة النهرية والساحلية، مع توقعات بأن تستغرق عملية التعافي أكثر من عشر سنوات".

وحذرت من أن "تكدس الأنقاض التي تقدر بين 50 و100 مليون طن، يرجح احتواؤها على مواد سامة مثل الرصاص والأسبستوس، إلى جانب مخاطر الذخائر غير المنفجرة. علاوة على أنه سجلت مستويات مرتفعة من تلوث الهواء، متجاوزة المعايير العالمية. وقدرت كلفة التعافي البيئي بنحو 444 مليون دولار، تشمل إعادة تأهيل النظم البيئية وإدارة النفايات الخطرة، لتجنب تفاقم الأزمات الصحية والبيئية".

ناصيف

أما الدكتورة نادين ناصيف، فأضاءت على "أهمية البحث العلمي بما يتعلق بآثار الحرب، حيث إن بعض الملوثات البيئية لا تظهر مباشرة، بل قد تستغرق ما بين 10-15 سنة. لذا لا يمكن الجزم في الوقت الحالي بمدى الضرر البيئي الذي تعرضت له الأراضي الزراعية في لبنان".

وشددت على "ضرورة البحث العلمي الرصين وموثوقية البيانات التي تتضمنها التقارير التي تصدر هنا وهناك"، ودعت إلى "التعاون مع كلية الزراعة والأساتذة الموجودين للاطلاع على الأبحاث الجديدة، لعلنا نتمكن مستقبلا من التعاون في المجالات كافة لتقديم البحث العلمي الذي نحتاج إليه".