هدنة بلا طمأنينة في لبنان… نازحون يفضلون الملاجئ على العودة

في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام2024، بعد حرب "إسناد غزة" ومرور أكثر من عام من القتال المتواصل، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ. من أولى اللحظات التي أعلن فيها بدء سريان الهدنة، بدأ النازحون يستعدون للعودة إلى منازلهم وبلداتهم التي غادروها قسراً وسريعاً، وإن بدت الهدنة هشة، وحتى على رغم الخروق الإسرائيلية المتواصلة. كانت الفرحة بالعودة آنذاك أقوى من أي مشاعر أخرى، بما فيها الخوف والقلق، حتى إن تحذيرات الجهات المسؤولة للتروي إلى حين اتضاح الأمور لم تمنع النازحين من العودة. أما هذه المرة، فبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الـ16 من أبريل (نيسان) الجاري، بدا المشهد مختلفاً، إذ أتت العودة حذرة وراحت العائلات تدرس بترو ظروفها، وبدا واضحاً أن النسبة الكبرى قررت الاختيار بين أصعب الحلين، وفضلت الحفاظ على أماكنها في مراكز الإيواء في ظل الهدنة الموقتة التي لا توحي بالثقة.

عودة خَجِلة
هذه المرة، بدا مشهد العودة معقداً ولا يشبه تلك المشاهد التي اعتدنا عليها في نهايات الحروب، وكأن الفرحة بالعودة والهدنة كانت بذاتها خجلة، وكأن من عانوا طوال 40 يوماً ظروف الحرب التي هجرتهم من منازلهم وبلداتهم، أصبحوا أكثر حذراً.

ولدى تواصلنا مع وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، أكدت تردد النازحين بالعودة هذه المرة، وأوضح مصدر رسمي فيها أن معظم مراكز الإيواء لا تزال مفتوحة وقليلة هي تلك التي أقفلت، كما أن بعضها أقفل ثم عاد ليستقبل النازحين بعد عودتهم من تفقد منازلهم.

للتوقف عند هذا الواقع، قمنا بزيارة إلى أحد مراكز الإيواء في وسط العاصمة بيروت، وهناك بدا واضحاً التردد المسيطر على قرار النازحين بالعودة إلى منازلهم واستعادة ذكرياتهم فيها. بنظرات غلب عليها الحزن، عبروا عن الصراع الذي في داخلهم في هذه الظروف، كاشفين عن تردد بالعودة بعد كل ما مروا به، خصوصاً أن الوضع ليس آمناً بعد.

معاناة مستمرة
عبرت إحدى السيدات، رافضة الكشف عن اسمها، عن معاناة العائلة في بداية الحرب، وأوضحت أن الوضع لا يوحي بالأمان ولا يزال الخطر موجوداً، لذلك فضلت العائلة تفقد المنزل والعودة إلى مركز الإيواء والاستقرار فيه موقتاً، وأوضحت أنها في الأصل من بلدة مارون الراس الجنوبية التي تعد من البلدات التي لا تزال مهددة على رغم الهدنة، وقد انتقلت العائلة في حرب "إسناد غزة" عام 2024 إلى ضاحية بيروت الجنوبية التي عادت ونزحت منها هذه المرة أيضاً في ظروف لا تقل صعوبة. فبعد تكرار تجربة النزوح بهذه الظروف المأسوية، كان الحل الأنسب، ولو كان صعباً، المكوث في مركز الإيواء في المرحلة الحالية إلى حين تحسن الأمور، خصوصاً أن ثمة أطفالاً في العائلة عبروا عن خوف شديد من أصوات المسيرات ومن الدمار المحيط بالمنزل عند تفقده بعد الإعلان عن الهدنة. وشبهت العائلة المنطقة بمدينة الاشباح نظراً إلى الصمت المرعب الذي سيطر فيها كونها خالية من السكان ومدمرة الكامل.

تشابهت قصص النازحين في المركز، إذ بدا واضحاً أن معظمهم عاشوا تجربة النزوح مرتين في الأقل ومعها معاناة حقيقية في البحث عن مراكز إيواء طوال أيام، وفضل معظمهم الحفاظ على أماكنهم في المركز حتى لا يخسروها. هذا ما أكدته أيضاً سيدة جنوبية مسنة أتت مع زوجها إلى مركز الإيواء بعدما أصبحت من سكان بيروت فتحدثت عن كل المعاناة التي عاشتها في بداية الحرب، حيث مكثت ثلاثة أيام في السيارة إلى حين تأمين المكان الذي يأويها مع زوجها. وأشارت بحزن واضح إلى أنهما تفقدا منزلهما في ضاحية بيروت الجنوبية بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، وتبين أنه ليس متضرراً. على رغم ذلك تستحيل العودة للسكن في المنطقة التي خلت بصورة شبه تامة من سكانها، ويسود فيها صمت مخيف ما يجعلها غير مناسبة للسكن في المرحلة الحالية. يضاف إلى ذلك أن الكهرباء مقطوعة فيها بسبب الحرب، لذلك، ولأن الوضع غير مطمئن، فضلت التروي والانتظار في مركز الإيواء إلى أن تهدأ الأوضاع فتكون العودة ممكنة إلى المنزل الذي يتوقون للعودة إليه، وبذلك، تتجنب أيضاً خسارة المكان المخصص لهما في المركز.

دمار هائل
أكد نازح آخر في المركز، هو من البقاع الأوسط (شرق) أنه بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، زار منزله في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يقيم حالياً، وتبين له أن منزله الذي كان لا يزال قيد الترميم بعد الأضرار التي لحقت به في الحرب عام 2024، قد تضرر من جديد بسبب الغارات، لكن الأصعب هو ما يحيط به من دمار هائل في المنطقة. وأشار إلى أنه لا يعتبر نفسه نازحاً من الضاحية، إلا أنه كان هناك قرار بحماية العائلة لوجود أطفال، أما اليوم، فقررت العائلة البقاء في مركز الإيواء، ولفت إلى أن "معظم المواطنين فضلوا تفقد منازلهم والعودة إلى مراكز الإيواء لأن الحرب لم تنتهِ بعد"، وما يؤكد أن الهدنة هشة الطيران الذي يحلق بكثافة والمسيرات والقصف المتواصل على الجنوب.

سيدة مسنة أخرى تحدثت عن معاناتها في ظروف الحرب خصوصاً أنها تعاني أمراضاً مزمنة عديدة وهي عاجزة عن المشي، ولها ابن من ذوي الاحتياجات الخاصة. وأوضحت أنها أصلاً من الجنوب، لكن ظروف الحرب السابقة عام 2024 فرضت عليها الانتقال مع العائلة للسكن في ضاحية بيروت الجنوبية، فإذا بالعائلة تنزح من جديد بسبب ظروف الحرب. ومجدداً، تعيش التجربة المرة، وقد تضرر المصعد في المبنى الذي تسكن فيه وليس بإمكانها الصعود على السلالم بسبب حالتها التي تمنعها من المشي. لذلك، قررت المكوث في مركز الإيواء إلى حين تأمين الكهرباء والمصعد حتى لا يضطر أبناؤها إلى حملها على السلالم كما فعلوا في بداية الحرب عندما أرغموا على الإخلاء بسبب القصف والتهديدات. وتحدثت عن معاناة العائلة في الهرب إلى أن تأمن مركز الإيواء، لذلك، تفضل عدم المغادرة حتى لا تخسر العائلة مكانها فيه، إلى حين انتهاء الحرب.

صدمة تتكرر وخوف من المستقبل
هذا التردد الذي يعيشه الأهالي الذين كانوا تركوا منازلهم وبلداتهم بسبب ظروف الحرب تفسره الاختصاصية في المعالجة النفسية جيزال نادر بالتأكيد "أنه رد فعل طبيعي جداً، بخاصة مع تكرار هذه الظروف القاسية في لبنان في السنوات الأخيرة. لذلك، اختلفت ردود الفعل بصورة واضحة ما بين عام 2024 وتلك التي تسجل حالياً بعدما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. فتكرار الصدمة يسبب رد فعل أكثر قوة وحدة لدى الإنسان في كل مرة، وكأن الصدمة تترسخ لديه وتدفعه إلى اتخاذ مزيد من الاحتياطات. وثمة عوامل عدة تفسر هذا الشعور أيضاً، أولها انعدام الشعور بالأمان لأننا نتحدث هنا عن هدنة لا عن نهاية حرب، بالتالي يستمر الشعور بالخوف بوجود الخطر وانعدام الثقة بهذا الهدوء المفاجئ، بعد الظروف القاسية التي مر بها المواطنون في الحرب الأخيرة، وبصورة خاصة بعد الأحداث الأخيرة العنيفة التي سجلت في ما عرف باليوم الأسود، وقد ذهب ضحيتها قرابة 400 قتيل"، وأشارت نادر إلى أن التعرض للصدمة النفسية مرات عدة يمكن أن يؤدي إلى حال اضطراب ما بعد الصدمة "بالتالي إلى التنبه الزائد والأحلام المزعجة والخوف والقلق وتجنب الأماكن التي تذكر الإنسان بالخطر، ومن الممكن أن تكون هذه الأماكن هي المنزل أو مكان العمل أو أي مكان يرتبط بالخطر. هذه الأمور يستعيدها الإنسان ربما لدى زيارة منزله أو رؤيته"، وهنا لفتت نادر إلى أن الحالة تختلف بحسب ما إذا كان البيت مدمراً أو متضرراً أو لم يتعرض لأضرار، "يبقى البيت مركز الأمان للإنسان وتتعلق به وبالأرض الذكريات، لكن عندما تكون الحياة بخطر، تصبح الحياة أكثر أهمية، على رغم التعلق بالأرض والبيت، فتكون الأولوية للحياة والنجاة، حتى إن الشعور بفقدان السيطرة على الحياة والعجز عن التحكم بما سيحصل وبالمستقبل يؤدي إلى شعور بعدم الاستقرار ويزيد الصعوبات في اتخاذ أي قرار، وهذا ما يفسر التردد في اتخاذ قرار العودة".

تجارب قاسية
بعد التجارب القاسية التي عاشها المواطنون في الحرب وكل ما رافقها، يصعب على المواطن الذي غادر منزله تحت القصف والخطر والتهديد أن يتخطاها، فمن الطبيعي أن يتملكه القلق الاستباقي أمام احتمال أن تتكرر التجربة التي سبق أن تكررت أصلاً في العامين الأخيرين، ففي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن يضع نفسه أمام أسوأ الاحتمالات ليحمي نفسه.

على رغم صعوبة الوضع، تابعت نادر "من الممكن التعامل مع هذه الهواجس بالصورة المناسبة وتخطيها عبر العودة التدريجية أو زيارة المنزل من وقت إلى آخر في زيارات قصيرة تطول تدريجاً ضمن الإمكانات المتاحة، على أن يتم التأكد من الجهات المتخصصة ما إذا كانت هذه العودة آمنة ليتمكن المواطن من العودة للعيش مع أحبائه في هذه الأماكن التي تعني له كثيراً، وتحمل معها الذكريات كافة، إضافة إلى أن التعبير عن المشاعر يمكن أن يساعد على تخطي هذه المشاعر التي يغلب عليها القلق لتسهيل المرحلة المقبلة والحد من التوتر والتعامل مع هذا الواقع الجديد. فسواء كانت حرباً أو هدنة، في الحالتين ثمة حاجة إلى جاهزية نفسية، مع ضرورة التأكيد أن المخاوف أو التردد في العودة بعد كل التجارب التي سبق أن عاشها المواطنون حال طبيعية جداً وليست ضعفاً أبداً، لأن الجسم والعقل يسعيان إلى توفير الحماية من كل ما هو مجهول أو غير مؤكد أو فيه شيء من الخطر، فتتخذ هذه الاحتياطات حتى تصبح ظروف العودة مؤكدة ومطمئنة".

المزيد عن: لبنان جنوب لبنان النازحون ضاحية بيروت الجنوبية حرب