المصدر: النهار
الكاتب: إسلام محمد
الأحد 12 نيسان 2026 17:34:07
في لحظة كانت تُراهن فيها الأسواق على انفراجة سياسية، انتهت مفاوضات الولايات المتحدة وإيران إلى طريق مسدود، بعد تمسك طهران برفض تقديم ضمانات جوهرية تتعلق ببرنامجها النووي، وربطها أي تفاهمات بملف السيادة على مضيق هرمز.
هذا الرفض الذي يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية، حسم المشهد سريعاً وأعاد التوتر إلى أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
تدفقات مستمرة تحت الترقب
وفي هذا السياق، ورغم أجواء التوتر، لم تتوقف حركة النفط أثناء المفاوضات، إذ أظهرت بيانات منصات التتبع، وعلى رأسها "TankerTrackers"، عبور نحو مليوني برميل من النفط العراقي و4 ملايين برميل من النفط السعودي خلال يوم واحد عبر المضيق، فيما رصدت "MarineTraffic" مرور عدد محدود من الناقلات، معظمها آسيوية، تحركت بمحاذاة السواحل الإيرانية وفق مسارات محسوبة، بما يعكس استمرار التدفقات ولكن في إطار حذر، إضافة إلى عبور ناقلة نفط مملوكة لشركة يونانية، وناقلتين مملوكتين لشركة صينية.
في المقابل، كانت ثلاث ناقلات على وشك عبور المضيق في 12 أبريل، لكنها انعطفت قبل دخولها بعد انتهاء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بالاتفاق.
وفي التفاصيل، قامت سفينة VLCC Agios Fanourios I، المسجلة في مالطا، وتحمل 300,000 طن وزن في المتجه إلى البصرة في العراق، بالتراجع عن دخول المضيق وأبحرت خارج المنطقة، وفقاً لبيانات تتبع من Pole Star Global.
كانت هذه السفينة راسية في ميناء الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، قبل محاولة العبور، وقد أبحرت سابقاً إلى الهند وكانت متجهة إلى البصرة لاستلام شحنة نفطية متجهة إلى فيتنام.
وحاولت ناقلتان تحملان علم باكستان، هما أفراماكس شالامار وخيربور، بوزن 74,000 طن، عبور مضيق هرمز في الوقت نفسه تقريباً. وقد استدارت السفينتان لكنهما بقيتا قريبتين من المضيق. كانت شالامار متجهة إلى جزيرة داس شمال غرب الإمارات، وخيربور متجهة إلى ميناء عبد الله في الكويت، وفقاً لبيانات تتبع من Pole Star Global.
انكماش حاد
ومع إعلان فشل المفاوضات، اتسع النمط الحذر ليتحول إلى تراجع حاد في حركة الملاحة مقارنة بالمعدل الطبيعي، حيث فضلت بعض الناقلات الانتظار خارج المضيق وأعادت أخرى جدولة رحلاتها أو تأجيل الدخول، بما يعكس انتقاله إلى نمط "العبور الانتقائي".
وفي ظل هذا الوضع، بات المرور مشروطاً بمسارات محددة وسرعات أقل وتحت رقابة مشددة، مع تفضيل لسفن مرتبطة بدول قريبة من طهران، فيما بدأت شركات التأمين رفع تقديرات المخاطر، بما ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد حتى دون إعلان إغلاق رسمي للمضيق.
إيران تفرض قواعد جديدة للملاحة
وفي هذا السياق، يقول صالح حجازي، الربان البحري وخبير الشؤون البحرية، في حديثه لـ"النهار"، إن "إيران باتت تفرض واقعاً جديداً داخل المضيق، عبر التحكم في الممرات البحرية وفرض مسارات بديلة، وهو ما يضع شركات الشحن أمام تحديات تتعلق بالأمان والتكلفة".
وتشير التقديرات إلى استمرار المرور ولكن بشروط إيرانية، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة النقل البحري في المنطقة.
سيناريوات مفتوحة على التصعيد
وفي ظل هذا المسار، تتصاعد سيناريوهات مزيد من التصعيد عقب فشل المفاوضات، وما تلاه من نشر الرئيس الأميركي مقالة أشار فيها إلى احتمال فرض حصار بحري على إيران، ما يعكس اتجاهاً نحو تصاعد الضغط في الممرات الحيوية للطاقة.
وفي هذا السياق، يرى صالح حجازي، خبير الشؤون البحرية، أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار فرض رسوم على عبور السفن، بما يرفع مستويات المخاطر ويزيد الضغوط على حركة التجارة وسلاسل الإمداد وتهديد الأمن الغذائي العالمي، مع توقعات بارتفاع أقساط التأمين وقفزات قوية في أسعار النفط، في ظل الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال.
وفي السياق ذاته، يتوقع الدكتور الربان هشام هلال، الأمين العام للاتحاد الدولي لجمعيات الملاحة، لـ"النهار"، استمرار التداعيات خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن أي اضطراب في مضيق بهذا الحجم سينعكس مباشرة على أسعار النفط وحركة السفن وأقساط التأمين باعتباره نقطة ارتكاز في سلاسل الإمداد العالمية.
ويضيف أن تشديد القيود على الملاحة لن يقتصر أثره على قطاع النقل البحري، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي، مع احتمالات ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الغذاء نتيجة زيادة تكاليف الشحن.
في المحصلة، لم يُغلق المضيق فعلياً، لكنه لم يعد مساراً حراً كما كان، ليدخل مرحلة "العبور المشروط" بما يحمله من تداعيات واسعة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.v