هل يجيز الدستور تأجيل الانتخابات النيابية؟

تُشكّل الانتخابات النيابية في النظام الدستوري اللبناني حجر الزاوية في تجديد الشرعية الشعبية وضمان استمرارية النظام التمثيلي. فهي ليست مجرّد إجراء إداري دوري يمكن إخضاعه لموازين السياسة أو لاعتبارات الظرف، بل ممارسة دستورية جوهرية تُجسّد مبدأ سيادة الشعب، كما كرّسته مقدمة الدستور وأحكامه الأساسية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يجيز الدستور اللبناني تأجيل الانتخابات النيابية، أم أن هذا التأجيل يُعدّ خروجاً صريحاً على الشرعية الدستورية؟

بالعودة إلى النص الدستوري، يتبيّن بوضوح أنّ الدستور اللبناني لم يمنح أي سلطة، تشريعية كانت أم تنفيذية، صلاحية تأجيل الانتخابات النيابية. فالمادة 42 من الدستور جاءت بصيغة آمرة لا تحتمل التأويل، إذ نصّت على أنّ "تُجرى الانتخابات العامة لتجديد المجلس النيابي خلال الستين يوماً السابقة لانتهاء ولاية المجلس". هذا النص لا يترك مجالاً لاجتهاد توسّعي أو استنسابي، لأنّ الانتخابات ليست خياراً سياسياً، بل التزاماً دستورياً ملازماً لانتهاء الولاية النيابية.

وقد ثبّت المجلس الدستوري هذا الفهم في أكثر من مناسبة، معتبراً أنّ دورية الانتخابات تشكّل أحد العناصر الجوهرية للنظام الديمقراطي. ففي قراره الصادر في 28 تشرين الثاني 2014، المتعلّق بالطعن بقانون تمديد ولاية مجلس النواب، شدّد المجلس على أنّ الانتخابات النيابية هي "التعبير المباشر عن سيادة الشعب"، وأنّ أي مساس بدوريتها يُعدّ مساساً بجوهر النظام الديمقراطي البرلماني، حتى وإن حالت اعتبارات دستورية أو توازنات خاصة دون إبطال القانون المطعون فيه.

كما أكّد المجلس الدستوري في اجتهاداته اللاحقة أنّ مبدأ استمرارية المرفق العام لا يمكن استخدامه ذريعة لتعليق أحكام دستورية صريحة، ولا سيما تلك المتصلة بتداول السلطة. فاستمرارية المؤسسات لا تعني تثبيت السلطات خارج الأطر الدستورية، بل تفترض احترام المهل والاستحقاقات التي نصّ عليها الدستور نفسه.

وغالباً ما يُستند في تبرير تأجيل الانتخابات إلى مفاهيم فضفاضة كـ"الظروف الاستثنائية" أو "القوة القاهرة". غير أنّ الدستور اللبناني، بخلاف بعض الدساتير المقارنة، لم يُقرّ نظاماً استثنائياً يسمح بتعليق الاستحقاقات الدستورية، ولا سيما الانتخابات النيابية. كما أنّ الاجتهاد الدستوري اللبناني لم يعترف بوجود نظرية عامة للظروف الاستثنائية تتيح تعطيل نصوص دستورية صريحة، إذ إنّ الاستثناء، في المنطق الدستوري، لا يُفترض ولا يُستنتج، بل يجب أن يكون منصوصاً عليه صراحة.

أما تمديد ولاية مجلس النواب عبر قوانين يصدرها المجلس نفسه، فيُعدّ مسألة شديدة الإشكالية من منظور الشرعية الدستورية، نظراً لتعارضها مع مبدأ أساسي مفاده أنّ السلطة لا تملك تمديد ولايتها بنفسها خارج النص الدستوري. وقد حذّر المجلس الدستوري، ولو ضمنياً، من خطورة تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، معتبراً أنّ تكرار التمديد يُفرغ النص الدستوري من مضمونه، ويحوّل الدستور من مرجعية عليا ضابطة للحياة السياسية إلى وثيقة مرنة خاضعة للتوازنات السياسية الآنية.

ويتعمّق هذا الخلل عند ربطه بمقدمة الدستور اللبناني التي أكدت التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 25 منه التي تكرّس حق المواطنين في المشاركة في الشؤون العامة عبر انتخابات دورية حرّة ونزيهة. وقد استقرّ اجتهاد المجلس الدستوري على اعتبار مقدمة الدستور جزءاً لا يتجزأ منه، ذات قيمة دستورية ملزمة، ما يجعل أي تأجيل غير مبرر للانتخابات انتهاكاً مزدوجاً: للنص الدستوري الداخلي، وللالتزامات الدولية ذات القيمة الدستورية.

إنّ خطورة تأجيل الانتخابات لا تكمن فقط في خرق مهلة زمنية، بل في المساس المباشر بإرادة الشعب وبمبدأ تداول السلطة. فعندما تُعلّق الانتخابات دون سند دستوري صريح، يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتُفرَّغ الديمقراطية من مضمونها، ويُختزل الدستور في نص قابل للتعليق عند كل أزمة سياسية.

وخلاصة القول، إنّ الدستور اللبناني، نصاً واجتهاداً، لم يُجز تأجيل الانتخابات النيابية لا صراحةً ولا ضمناً. وكل تأجيل خارج المهلة المحدّدة في المادة 42 يُعدّ إجراءً استثنائياً غير منصوص عليه، ولا يمكن تبريره إلّا عبر تعديل دستوري صريح وفق الأصول المحدّدة في المادة 77 من الدستور. وما عدا ذلك، يبقى التأجيل فعلاً سياسياً يفتقر إلى السند الدستوري، مهما أُلبس من شعارات الضرورة أو الاستقرار.

فالانتخابات ليست تفصيلاً إجرائياً، بل جوهر العقد الدستوري، وإرادة الشعب ليست قابلة للتعليق، لأنّ أحداً لم يُفوَّض أصلاً بتعليقها.