المصدر: النهار
الكاتب: موناليزا فريحة
الأحد 4 كانون الثاني 2026 11:01:16
تُتوِّج أكثر العمليات الأميركية جرأة لتغيير نظام سياسي منذ غزو العراق عام 2003، حملة امتدت عاماً كاملاً شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد كراكاس، تحت عنوان محاربة إغراق الولايات المتحدة بالكوكايين والفنتانيل. ووضعت هذه الحملة ترامب في مواجهة مفتوحة مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، بوصفه زعيماً لشبكة متداخلة من التهريب والجريمة المنظمة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو هل يكفي اعتقال مادورو وزوجته، ونقلهما جواً إلى الولايات المتحدة، وبدء إجراءات قانونية لمحاكمتهما، لقطع شرايين التهريب التي تشابكت عبر القارة اللاتينية وصولاً إلى أوروبا والشرق الأوسط؟
اعتبرت واشنطن كراكاس حلقة أساسية في ممر المخدرات الإقليمي، إذ تسهل، بحسب الرواية الأميركية، حركة الكوكايين من كولومبيا عبر الأراضي الفنزويلية، قبل شحنه بحراً وجواً إلى الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي وأوروبا. وفي هذا السياق، ألغى ترامب امتيازات نفطية كانت مُنحت لكراكاس في عهد سلفه جو بايدن، بما في ذلك ترخيص يسمح بتصدير جزء من النفط الفنزويلي إلى السوق الأميركية رغم العقوبات. ولم يكتفِ بذلك، بل فرض لاحقاً رسوماً جمركية بنسبة 25% على الدول التي تشتري النفط الفنزويلي، في محاولة لخنق النظام مالياً.
في 8 آب/أغسطس 2025، رفعت الإدارة الأميركية السقف إلى حد غير مسبوق، معلنةً مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو، ومصنّفة إياه "زعيماً إرهابياً عالمياً" لعصابة "كارتل دي لوس سوليس" (كارتل الشمس)، وهي تهمة ينفيها الرئيس الفنزويلي بشدة. وبعد أقل من أسبوعين، في 19 آب/أغسطس، ترجمت واشنطن تهديداتها ميدانياً، عبر نشر ثلاث مدمرات صواريخ قبالة السواحل الفنزويلية، قبل أن تعزز وجودها بثلاث سفن هجومية برمائية تحمل نحو ستة آلاف جندي، إضافة إلى طائرات متطورة بينها مقاتلات "إف-35".
غير أن صورة "كارتل الشمس" نفسها تبدو أقل تماسكاً مما يُشاع. فبحسب فيل غونسون، المحلل المقيم في كراكاس لدى "مجموعة الأزمات الدولية"، هي شبكة فضفاضة تضم في معظمها ضباطاً يسهلون مرور المخدرات مقابل رشى، أكثر منها تنظيماً مركزياً متكاملاً.
فعلياً، تتضارب المعطيات حول الدور الدقيق لفنزويلا داخل شبكة تهريب المخدرات المعقدة. وسيكون على الادعاء الأميركي إثبات أن الفنتانيل تحديداً يأتي من الأراضي الفنزويلية، في وقت تشير الوقائع إلى أن الكميات الكبرى من هذه المادة القاتلة تدخل الولايات المتحدة عبر المكسيك، وغالباً ما تُصنَّع من مواد كيميائية أولية مصدرها آسيا. أما الكوكايين، فمعظمه يُنتج في كولومبيا ودول الأنديز، فيما تُستخدم فنزويلا ومنطقة الكاريبي كممرات عبور ونقاط انطلاق نحو الأسواق الأوروبية.
مع ذلك، تربط تقارير استقصائية وشهادات رسمية صدرت في عامي 2024 و2025 بين الحكومة الفنزويلية وشبكات غير مشروعة عابرة للحدود، تضم دولاً وجماعات عدة، من بينها إيران و"حزب الله". وتصف هذه التقارير فنزويلا بأنها "بيئة متساهلة" تتقاطع فيها مصالح أطراف حكومية مع تلك الشبكات، لتسهيل تهريب المخدرات، وغسل الأموال، والالتفاف على العقوبات الدولية.
في شهادة أمام الكونغرس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قال ماثيو ليفيت، مدير برنامج جانيت وايلي راينهارد لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في "معهد واشنطن"، إن هذا التعاون يقوم على منطق "البقاء المتبادل". وأضاف: "لم يعد حزب الله مجرد ضيف في أميركا اللاتينية، بل أصبح مهندساً محترفاً في غسيل الأموال". وبحسب ليفيت، استغل الحزب مناطق التجارة الحرة وتجارة الذهب الفنزويلية لفصل تمويله عن النظام المصرفي التقليدي، وبناء اقتصاد موازٍ يخدم طموحاته الإقليمية وحاجة كراكاس إلى التحايل على العقوبات.
لكن إسقاط مادورو لا يعني بالضرورة تفكيك هذا المشهد المعقد. فميك مولروي، وهو نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، وضابط شبه عسكري متقاعد من وكالة الاستخبارات المركزية، يبدي تشككاً في تأثير إزاحة الرئيس الفنزويلي على تجارة المخدرات. ويقول لـ"النهار": "من غير الواضح مدى تأثير ذلك. النظام لا يزال قائماً، لكن من دون مادورو".
وفي مؤتمر صحافي لافت، لم يستبعد ترامب توديه ضربة أخرى إلى فنزويلا، وقال إن واشنطن "ستحكم فنزويلا لفترة من الوقت"، في تصريح أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التدخل السياسي المباشر.
وفي هذا السياق، يقول نورمان رول، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لـ"النهار"، إن إدارة ترامب ستطالب أي حكومة فنزويلية مقبلة بقطع جميع العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية و"حزب الله"، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لرفع العزلة الدولية.
الواضح أن قرار تفكيك شبكات عابرة للقارات قد اتخذ، ولا بد أن واشنطن تدرك أن ذلك يتطلب ما هو أبعد من عملية خاطفة، مهما بدت جريئة. ويقول ميلروي: "الضربات الأميركية المستمرة منذ فترة أضعفت الشبكة، وأعتقد أنها ستستمر".