المصدر: المدن
الأربعاء 12 آب 2026 23:01:04
رفضت الولايات المتحدة أيّ وجود عسكريّ إسرائيليّ دائم في جنوب لبنان، مؤكّدةً أنّه يتعارض مع الالتزامات الواردة في الإطار المتّفق عليه، ومع تحقيق السلام والأمن طويلَي الأمد للبنان وإسرائيل. وجاء الموقف الأميركيّ ردًّا على تصريحات وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، بشأن ضمان بقاء طويل الأمد في ما وصفها بـ"المناطق الأمنيّة" في لبنان.
وفيما شكّل التصريح اعتراضًا أميركيًّا واضحًا على تثبيت الاحتلال، أعادت واشنطن، في المقابل، ربط إعادة الانتشار الإسرائيليّ التدريجيّ بالتحقّق من نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتيّة. وبذلك، تمسّكت الإدارة الأميركيّة بالمعادلة التي يقوم عليها اتفاق الإطار، لا بقاء إسرائيليًّا دائمًا، ولا انسحابًا كاملًا قبل تنفيذ الالتزامات الأمنيّة المطلوبة من الجانب اللبنانيّ.
واشنطن ترفض تكريس الاحتلال
وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة، تعليقًا على تصريحات كاتس، إنّ الولايات المتحدة تتوقّع من جميع الأطراف الالتزام بالإطار المتّفق عليه. وأضاف أنّ إسرائيل أعلنت بوضوح أنّها لا تملك أيّ أطماع إقليميّة في لبنان.
وشدّد المتحدّث على أنّ "أيّ وجود عسكريّ دائم في جنوب لبنان لا يتوافق مع الالتزامات الواردة في الإطار، ولا مع السلام والأمن طويلَي الأمد للدولتَين"، مؤكّدًا أنّ الولايات المتحدة تدعم بصورة كاملة وحدة الأراضي اللبنانيّة وسيادتها.
ويكتسب هذا الموقف أهمّيّةً خاصةً لأنّه يأتي بعد تصريحات إسرائيليّة بدت مناقضةً للمسار الذي تقول واشنطن إنّها تعمل على تطبيقه. فحديث كاتس عن بقاء طويل الأمد يرفع احتمال انتقال إسرائيل من انتشار عسكريّ يفترض أن يكون مرحليًّا إلى وجود مفتوح زمنيًّا، فيما تعتبر الإدارة الأميركيّة أنّ الإطار ينصّ على إعادة انتشار تدريجيّة، وإن كانت مشروطةً.
انسحاب مشروط بنزع سلاح حزب الله
في مقابل رفض الوجود الدائم، أوضح المتحدّث الأميركيّ أنّ الإطار يتضمّن "مسارًا مشروطًا لإعادة الانتشار التدريجيّ"، مرتبطًا بنزع سلاح حزب الله بصورة مؤكّدة وتفكيك بنيته التحتيّة.
ويعني ذلك أنّ واشنطن لا تتبنّى انسحابًا إسرائيليًّا غير مشروط أو محدّدًا بجدول زمنيّ مستقلّ عن الإجراءات اللبنانيّة، بل تربطه بمراحل تنفيذ آليّة نزع السلاح والتحقّق منها. وفي هذا السياق، لا يشكّل الموقف الأميركيّ تبنّيًا كاملًا للمطلب اللبنانيّ بالانسحاب، بقدر ما يعيد تثبيت معادلة الخطوات المتبادلة التي يتضمّنها الإطار.
وتبقى العقدة الأساسية مرتبطةً بترتيب الالتزامات وتزامنها. فلبنان يطالب بأن تقابل إجراءات الجيش اللبنانيّ خطوات إسرائيليّة ملموسة، تشمل الانسحاب من مناطق إضافيّة ووقف الاعتداءات، في حين تتمسّك إسرائيل باستكمال التحقّق من نزع سلاح حزب الله قبل تنفيذ أيّ إعادة انتشار جديدة.
المناطق التجريبيّة تحت الاختبار
أشار المتحدّث باسم الخارجيّة الأميركيّة إلى أنّ الجيش اللبنانيّ ينفّذ حاليًّا أولى المناطق التجريبيّة، مؤكّدًا أنّ الولايات المتحدة ستواصل دعم التنفيذ الكامل لهذه العمليّة.
وتشكّل المناطق التجريبيّة الاختبار العمليّ لاتفاق الإطار، إذ يُفترض أن تُظهر إمكان تطبيق ترتيبات أمنيّة جديدة، يتولّى الجيش اللبنانيّ بموجبها تثبيت سيطرته والتحقّق من خلوّ المناطق المشمولة من سلاح حزب الله، بالتزامن مع إعادة انتشار إسرائيليّة تدريجيّة.
غير أنّ نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطًا بالخطوات المقابلة التي ستنفّذها إسرائيل. فإذا استكمل الجيش اللبنانيّ التزاماته من دون انسحاب إسرائيليّ موازٍ، يصبح الإطار مسارًا أحاديًّا يفرض على لبنان تنفيذ الشقّ الأمنيّ، بينما تحتفظ إسرائيل بوجودها العسكريّ وحرّيّة مواصلة عملياتها.
رسالة مزدوجة إلى إسرائيل ولبنان
يحمل الموقف الأميركيّ رسالةً مزدوجةً إلى الطرفين. فمن جهة، يطلب من إسرائيل عدم تحويل انتشارها العسكريّ إلى احتلال دائم، والالتزام بمسار إعادة الانتشار المنصوص عليه. ومن جهة أخرى، يؤكّد للبنان أنّ استعادة أراضيه ستبقى مرتبطةً بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكريّة.
وبذلك، لا تنحاز واشنطن إلى صيغة الانسحاب الفوريّ التي تطالب بها بيروت، ولا تمنح إسرائيل غطاءً للبقاء المفتوح. وهي تحاول تثبيت معادلة مرحليّة تقوم على تنفيذ لبنانيّ قابل للتحقّق، يقابله انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ.