واشنطن تُطبق الحصار على سماء إيران

تدخل المواجهة الأميركية مع إيران مرحلة تستهدف قدرة نظام الملالي على الاتصال بالعالم، مع توعّد وزير الخزانة سكوت بيسنت بتوقّف شركات الطيران الإيرانية عن العمل عالميًا اعتبارًا من 23 أيلول. وتصف عبارة "الحصار الجوي" الأثر المرتقب لهذا الإجراء القاسي، فيما أداته الفعلية مالية وتشغيلية تتجسّد بحرمان الطائرات من الوقود وخدمات الهبوط وبيع التذاكر، تحت طائلة استبعاد المتعاملين معها من نظام الدولار. هكذا تستخدم واشنطن موقعها في الاقتصاد العالمي لتحويل المطارات الأجنبية إلى نقاط اختناق أمام طهران المحاصرة بحريًّا.

تكمن قوّة هذه العقوبات في المعادلة التي تفرضها على مقدّمي الخدمات: عائد محدود من التعامل مع شركة إيرانية، مقابل مخاطرة هائلة بخسارة الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار. وبذلك، تنتقل كلفة استمرار الرحلات إلى الشركات والمصارف والوسطاء خارج إيران. وتصبح قدرة طهران على تشغيل طائراتها مرتبطة باستعداد جهات أجنبية لتحمّل ثمن باهظ يتجاوز قيمة التعامل نفسه، ما يوسّع دائرة العزلة من خلال حسابات المصالح.

وتقدّم الاستجابات الإقليمية مؤشرًا مبكرًا على فاعلية هذا الضغط. فبحسب المعطيات المنقولة عن وكالة "فرانس برس"، يتّجه العراق إلى تعليق رحلات الشركات الإيرانية، فيما منعت جورجيا هذه الشركات من دخول أراضيها، وأعلنت "ماهان إير" تعليق خدماتها إلى تركيا بطلب من أنقرة. وتكشف هذه الخطوات السريعة حدود قدرة العلاقات السياسية والجوار الجغرافي على حماية طهران عندما تصبح المصالح المالية للدول وشركاتها معرّضة للعقوبات.

بالنسبة إلى نظام الملالي، تطاول الضربة قطاعًا أنهكته أصلًا صعوبات اقتناء الطائرات وقطع الغيار والصيانة. ويعني تضييق منافذه الخارجية خسارة إيرادات وارتفاع كلفة نقل الأشخاص والبضائع وتراجع مرونة الحركة. كما يزيد الضغط على المواطنين والأعمال المرتبطة بالسفر، ويوسّع الفجوة بين خطاب الصمود وكلفة المواجهة اليومية.

ويتكامل هذا الخنق التشغيلي مع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، في وقت تتعرّض فيه "ورقة" هرمز لتآكل ملموس. فقد أظهرت بيانات تتبّع نقلتها وكالة "رويترز" ارتفاع الصادرات النفطية السعودية عبر المضيق إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميًا خلال الأيام الأخيرة، مقارنة بنحو 700 ألف في آب. وتكشف هذه الزيادة اللافتة اتّساع القدرة على تمرير النفط رغم التهديدات، وتحدّ من فاعلية استخدام تعطيل الملاحة أداةً للضغط على الاقتصاد العالمي.

صحيح أن الاستهدافات مستمرّة، وأن تقارير إصابة ناقلتين أمس تؤكد بقاء المخاطر، بيد أن استمرار السفن في الإبحار يضيّق المسافة بين التهديد الإيراني ونتيجته العملية. وكلّ شحنة تعبر تسحب جزءًا من القيمة التفاوضية التي راهنت عليها طهران، حتى مع تحمّل الناقلات رسومًا استثنائية مقابل مخاطر الحرب. ضمن هذه القراءة، يمكن فهم دفع طهران سابقًا بورقة الحوثيين نحو مضيق باب المندب باعتباره محاولة لتعويض تراجع فاعلية الضغط في هرمز. وهذا تفسير استراتيجي للتزامن والمصلحة. فتهديد المنفذ الذي تعوّل عليه السعودية عبر البحر الأحمر يطول طريقًا بديلًا لتصدير النفط، ويوزّع الضغط على ممرّين. ويخدم تقدّم الحوثيين نحو مرتفعات استراتيجية تُعرف باسم جبال كهبوب هدف تثبيت مكاسبهم الميدانية وتعقيد أي هجوم حكومي مضاد.

تضع هذه التطوّرات واشنطن أمام معادلة دقيقة. فوفقًا لتقارير إعلامية، درس الرئيس ترامب أخيرًا ضرب الحوثيين ثمّ قرّر التريّث، مكتفيًا بمساعدة السعوديين استخباراتيًا وببيانات الاستهداف، وسط تطمينات حوثية بشأن تجنّب تعطيل الملاحة غير السعودية. كذلك، طلب رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي، خلال اتصال مع ترامب، دعمًا أميركيًا من دون حصوله على تعهّد بتقديم مثل هذا الدعم، بحسب تقارير. ويشير ذلك إلى محاولة أميركية لاحتواء الجبهة اليمنية وضبط كلفتها، حتى الآن، مع إبقاء الضغط مركّزًا على إيران.

يحمل هذا التريّث كلفة واضحة على حلفاء واشنطن، ويمنح الحوثيين وقتًا لترسيخ مواقعهم. لكن إدارة ترامب تخشى أن تدفع الضربات الأميركية جماعة "أنصار الله" إلى توسيع الاستهداف وإشعال أسعار الطاقة مجدّدًا على أبواب الانتخابات النصفية الأميركية. لذلك، يبدو الفصل بين خنق طهران اقتصاديًا وتأجيل المواجهة المباشرة مع ذراعها اليمنية جزءًا من إدارة التصعيد، يظلّ نجاحها مرهونًا بقدرتها على منع تحوّل التريّث إلى فرصة توسّع إضافية.

أما تهديد "الحرس الثوري" بتغيير "جغرافيا الحرب" وإدخال أسلحة جديدة وضرب أهداف مختلفة، فيحاول تأدية وظيفة ردعية واستعراضية في مواجهة هذا الضغط. وتبقى ترجمة التهديد على أرض الواقع موضع اختبار. ففتح جبهات إضافية يرفع أكلاف المواجهة على الخصوم، لكنه يستنزف أيضًا موارد نظام تتقلّص منافذه التجارية وتتفاقم حاجته إلى التمويل.

تحاول طهران تعويض انكماش مواردها بتوسيع مساحة التهديد على رقعة الشطرنج الإقليمية، في حين تعمل واشنطن على تجفيف الموارد التي تمنح هذا التهديد استمراريته. وهنا تظهر نقطة ضعف النظام الأساسية: امتلاك أدوات لتعطيل مصالح الآخرين، بالتوازي مع اعتماد اقتصاده على شبكات يصعب الاستغناء عنها. وإذا اتّسع تنفيذ العقوبات الجوّية واستمرّ عبور النفط في هرمز، ستواجه طهران فجوة متزايدة بين قدرتها على إشعال الأزمات وقدرتها على تحمّل استنزافها.

وبين نيويورك والدوحة وطهران، يتكثّف الحراك الدبلوماسي تحت وطأة الحرب والحصار. فبينما يستعدّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لاعتلاء المنبر الأممي، وسط قيود أميركية على وفده، تفتح محطة وزير خارجيّته عباس عراقجي القطرية باب التساؤلات: مَن سيلتقي الوفد الإيراني في نيويورك؟ وهل تُمهّد اتصالاته لتفاوض يتجاوز تبادل الشروط بشأن هرمز وباب المندب والحصار؟ وبالتوازي، تُثير زيارة وزير الداخلية الباكستاني لطهران سؤالًا مكمّلًا: هل يحمل الحراك رسائل لتهدئة إقليمية لم تتّضح معالمها بعد، أم أن الانفجار قادم لا محالة؟