المصدر: أساس ميديا
الكاتب: جوزفين ديب
الجمعة 15 أيار 2026 07:45:38
تُفتح في واشنطن مجدّداً قنوات التفاوض اللبنانيّة – الإسرائيليّة، لكن تحت سقف واقعيّ منخفض، مهما ارتفع الخطاب السياسيّ أو الإعلاميّ عن إمكانات التهدئة أو التسوية. لا تبدو حتّى الآن الجلسات أقرب إلى مسار حلّ شامل، بقدر ما تشبه إدارة مؤقّتة للصراع، في ظلّ اختلال واضح في موازين القوى، وتباين عميق في فهم الأطراف لطبيعة الأزمة اللبنانيّة نفسها.
تبدو الولايات المتّحدة، التي تعود إلى لعب دور الوسيط، وكأنّها لا تزال تتعامل مع الملفّ اللبنانيّ بمنطق تقنيّ أكثر منه سياسيّاً أو تاريخيّاً. إذ تتصرّف انطلاقاً من فرضيّة أنّ الدولة اللبنانيّة قادرة، إذا توافر القرار، على بسط سلطتها ونزع سلاح “الحزب” تدريجاً، أو على الأقلّ احتواؤه ضمن ترتيبات أمنيّة جديدة. إلّا أنّ هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أنّ الدولة نفسها عجزت طوال عقود عن فرض توازن داخليّ مستقرّ، ليس فقط بسبب قوّة “الحزب” العسكريّة، بل وبسبب البنية اللبنانيّة المنقسمة والطبيعة الإقليميّة للصراع.
المفارقة أنّ إسرائيل نفسها، التي تخوض حرباً مفتوحة ضدّ “الحزب” منذ أشهر، باتت تعترف ضمنيّاً وعلناً بأنّها غير قادرة على إنهاء وجوده أو نزع سلاحه من الداخل اللبنانيّ بالقوّة العسكريّة المباشرة. لذلك تنتقل تدريجاً نحو محاولة فرض وقائع أمنيّة وسياسيّة بديلة تقوم على توسيع مناطق النفوذ الميدانيّ جنوب الليطاني، واستنزاف البيئة العسكريّة لـ”الحزب”، وربط أيّ تهدئة بمسار طويل من التفكيك الأمنيّ التدريجيّ.
ترتيبات مشروطة
من هنا يمكن فهم المناخ الإسرائيليّ الذي يسبق مفاوضات واشنطن. لا تتحدّث تل أبيب عن وقف نار نهائيّ، بل عن ترتيبات مشروطة تمنع إعادة بناء القدرات العسكريّة لـ”الحزب”. يحمل الخطاب الإسرائيليّ بوضوح مستوى مرتفعاً من انعدام الثقة بالدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها العسكريّة، باعتبار أنّ الوقائع الميدانيّة، وفق الرواية الإسرائيليّة، لا تعكس ما يُعلن رسميّاً عن ضبط الجنوب أو حصر السلاح.
ينعكس هذا المناخ مباشرة على طبيعة التفاوض. تجلس إسرائيل إلى الطاولة من موقع القوّة الميدانيّة، لا من موقع الباحث عن تسوية متوازنة. تواصل التصعيد بالتزامن مع المفاوضات، وتوسّع عمليّاتها جنوباً وفي البقاع وكأنّها تقول إنّ المسار العسكريّ يسير بالتوازي مع المسار السياسيّ، وإنّ أيّ مطالب لبنانيّة لوقف إطلاق النار لا تشكّل أولويّة بالنسبة إليها ما لم تُترجَم بخطوات عمليّة تتعلّق بسلاح “الحزب”.
لبنان الطّرف الأضعف
في المقابل، يبدو لبنان الطرف الأضعف حول الطاولة. دولة مفلسة اقتصاديّاً، منقسمة سياسيّاً، حتّى إنّها عاجزة عن توحيد خطابها الداخليّ تجاه الحرب والسلاح والعلاقة مع المجتمع الدوليّ. لا السلطة تمتلك أوراق ضغط حقيقيّة، ولا القوى السياسيّة متّفقة على رؤية موحّدة، فيما يتحوّل التفاوض نفسه إلى انعكاس للأزمة اللبنانيّة بدل أن يكون مدخلاً لحلّها.
تبدو لهذا السبب التوقّعات العالية من مفاوضات واشنطن غير واقعيّة. يصطدم الكلام عن اتّفاقات كبرى أو تحوّلات سياسيّة واسعة بحقائق الميدان والانقسام الداخليّ اللبنانيّ، ويصطدم أيضاً بالمقاربة الإسرائيليّة التي لا تزال ترى أنّ أيّ استقرار فعليّ يبدأ من تقليص نفوذ “الحزب” عسكريّاً وأمنيّاً، لا من تفاهمات حدوديّة أو ترتيبات مؤقّتة فقط.
لكن خلف هذا السقف المنخفض يبرز قلق لبنانيّ داخليّ وعربيّ دبلوماسيّ من أمر آخر أكثر حساسيّة: أن تتحوّل هذه الجلسات إلى مقدّمة لخطّة عمل يوافق عليها لبنان رسميّاً تتضمّن تكليف الجيش اللبنانيّ بمهمّة حصر أو معالجة سلاح “الحزب” في الداخل، ولو بصورة تدريجيّة وتحت عناوين تنفيذ القرارات الدوليّة أو تثبيت الاستقرار.
إلقاء كرة النّار مجدّداً في حضن الجيش
يعود هنا إلى الواجهة شبح التجارب السابقة، حين اتّخذت السلطة السياسيّة قرارات كبرى تحت ضغط دوليّ وإقليميّ قبل أن تترك المؤسّسة العسكريّة في مواجهة التعقيدات الميدانيّة والسياسيّة وحدها. الخشية اليوم أن يُعاد إنتاج السيناريو نفسه: تفاهمات سياسيّة لا تملك الدولة أدوات تنفيذها، فتُلقى كرة النار مجدّداً في حضن الجيش اللبنانيّ، في لحظة داخليّة شديدة الهشاشة.
تزداد الصورة تعقيداً لأنّ “الحزب” نفسه لا يتعامل مع هذه المفاوضات باعتبارها المسار الحاسم. يراهن “الحزب” على ما ستنتجه طهران ومحادثاتها مع واشنطن، وينتظر ما ستؤول إليه الطاولة المفتوحة في إسلام آباد، انطلاقاً من قناعته أنّ مستقبل المواجهة في لبنان لا يُحسم في واشنطن وحدها، بل ضمن التوازن الإقليميّ الأوسع.
إلّا أنّ بنيامين نتنياهو كان واضحاً حين فصل بين المسارين الإيرانيّ واللبنانيّ، معتبراً أنّ أيّ تفاهم مع طهران لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط على لبنان، وهذا الكلام هو رسالة تحمل في طيّاتها إصراراً إسرائيليّاً على إبقاء الساحة اللبنانيّة تحت الضغط العسكريّ والسياسيّ، بمعزل عن أيّ تسويات إقليميّة محتملة.
لذلك تبدو مفاوضات واشنطن حتّى الآن أقرب إلى محاولة تنظيم الاشتباك لا إنهائه، وإلى إدارة أزمة مفتوحة لا إنتاج تسوية فعليّة. أمّا السؤال الأخطر فلا يتعلّق باحتمال نجاح هذه الجلسات، بل بقيادتها لبنان مجدّداً إلى تحميل جيشه ومؤسّساته ما يفوق قدرتهما على الاحتمال في بلد لم ينجح أصلاً بعد في الاتّفاق على تعريف أزمته.