المصدر: المدن
الكاتب: لارا الهاشم
الاثنين 17 آب 2026 01:46:45
يوماً بعد يوم يرتبك المشهد اللبناني مع استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب وتأكيد الجانب الاسرائيلي مواصلة القتال والبقاء ضمن "المنطقة الأمنية" بذريعة حماية أبناء الشمال، تزامناً مع استمرار المسار التفاوضي اللبناني الاسرائيلي. وما هو تقديم السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى نزع سلاح حزب الله كحلّ وحيد سوى تأكيد على أن الأمور تزداد تعقيداً. تصريح عيسى الذي جاء من عين التينة أعقبه كلام لمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية اعتبر فيه أن حزب الله هو العقبة الرئيسية أمام الانتعاش الاقتصادي للبنان والوصمة الوحيدة على سمعته الدولية، وأكبر تهديد لأمنه واستقراره. وأضاف أن حزب الله يتحمل المسؤولية الكاملة عن وجود اسرائيل على الأراضي اللبنانية ولهذا السبب تحديداً يجب نزع سلاح حزب الله وتفكيكه. فماذا في خلفية هذا الكلام ؟
واشنطن ترد على قاسم من دون تسميته
"نقول لكم يا أهلنا من حقكم أن تغضبوا ومن حقكم أن تعبروا كل ما تريدون لكن نطلب منكم، إختزنوا هذا الغضب في صدوركم وتهيأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحين لتحقيق اهدافكم ومطالبكم... يمكن للغضب أن ينفجر وليتحمل "اللي ما بيعرف يشتغل" ومن يحاول أن يعمل ضد المقاومة وأهلها فليتحمل المسؤولية لأنها تقع على الذين يعتدون". هذه إذاً كان رسالة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لجمهور حزب الله في الذكرى السنوية لانتصار عام 2006 ، والتي لم تمرّ مرور الكرام على سامعيها في واشنطن. فتهديده بانفجار الغضب كان أحد الأسباب التي استدعت تسريب تصريح لمسؤول في الخارجية الأميركية وفقاً لمصادر أميركية. كلام قاسم أتى ضمن سياق متكامل أعاد فيه التأكيد على أن سلاح حزب الله دفاعي، مقفلاً الباب على إستعداده لمناقشة مسألة السلاح. وشنّ هجوماً على السلطة متهماً إياها بأنها مأمورة من أميركا وبأنها تريد أن تعطي ما التزمت به عندما جاءت إلى الحكم، وتريد أن تعطي حتى ولو على حساب لبنان تحت عناوين خاطئة لا مكان لها. الأمين العام لحزب الله إتهم أيضاً السلطة بالفشل في السيادة، مؤكداً أن حزب الله لن يقبل بانتهاك السيادة وباستمرار إسرائيل وبأن تقرر الوصاية الأميركية أن تسرق البلد، مؤكداً أن "التكليف والوعد الإلهي" سيغيران هذا الواقع. وعليه كان الرد الأميركي بضرورة تفكيك سلاح حزب الله، الذي لم يكن أيضاً منفصلاً عن التطورات في دير الزهراني وأنصار وعلي الطاهر بحسب المصادر عينها.
فتصريح المسؤول الأميركي جاء بعد ساعات قليلة على التصعيد الاسرائيلي الذي أدى إلى استشهاد عشرات المواطنين اللبنانيين واتهام مكتب نتنياهو لحزب الله بخرق وقف اطلاق النار عبر استهداف الجنود الاسرائيليين داخل ما تسميه اسرائيل "المنطقة الأمنية". وعليه فإن القول الأميركي بأن حزب الله يتحمل مسؤولية وجود إسرائيل على الأراضي اللبنانية هو بمثابة إدانة لحزب الله وتصوير ما تقوم به إسرائيل على أنه عمل دفاعي لا هجومي بحسب مصادر لبنانية.
بين الأسطر الأميركية رسائل سلبية وأخرى إيجابية
على الرغم من التعثر القائم على صعيد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي لم تحرز أي تقدّم حتى الساعة إن كان على صعيد تثبيت وقف إطلاق النار أو توسعة المناطق التجريبية أو الانسحاب الإسرائيلي، لم تسقط واشنطن ورقة لبنان من حساباتها. إذ أعلن المتحدث باسم الخارجية الأميركية في التصريح عينه مواصلة الولايات المتحدة الأميركية دعم الإطار الثلاثي بما يتماشى مع المصالح الأميركية في الاستقرار الإقليمي ومنع المزيد من الصراع ودعم برنامج الرئيس دونالد ترامب لتعزيز السلام بين الدول، وهو ما تقرأ فيه مصادر سياسية متابعة إشارات إيجابية. فواشنطن بحسب المصادر تضغط على تل أبيب لخفض التصعيد ولمواصلة مسار التفاوض مع لبنان وهو ما عكسته الأسطر الثلاث للتصريح المقتضب للمسؤول الأميركي حتى لو أن الموعد النهائي للمفاوضات المزمع عقدها في روما في أيلول المقبل، لم يحدّد بعد.
أما الإشارة السلبية فتقرأ في ربط توسعة المناطق التجريبية بعملية التحقق من "التطهير". فواشنطن اعتبرت أن عملية المناطق التجريبية تبقى السبيل الوحيد الممكن لتحقيق السلام والأمن الدائمين للبنان واسرائيل، واعربت عن تطلّعها إلى اتمام الجيش اللبناني عمليات التطهير في المناطق التجريبية الأولى، وبعد التحقق من التطهير، ستتوسع العملية، مضيفة أن نزع سلاح حزب الله يعدُّ جزءاً لا يتجزّأ من هذه العملية.
لكن حتى اليوم لم يتم وضع آلية مراقبة نهائية ولم يتم الاتفاق على الجهة التي ستتولى التحقق، وبالتالي فإن ربط توسعة المناطق التجريبية بما تسميّه واشنطن تطهيراً ومن ثم تحققاً يعطي إشارة سلبية بأن المسار قد يكون طويلاً ومعقداً. علماً أن موقف حزب الله واضح حيال هذا المسار الذي يرى فيه إهانة للجيش اللبناني وبدعة إسرائيلية أميركية.
عملية تحقق متعثّرة
رغم التهليل لانطلاق المناطق التجريبية، بقيت العملية محصورة بزوطر الغربية التي لم تكن محتلة أساساً بمعزل عن عمليات التجريف والهدم التي طالتها وبفرون وصريفا التي لم يدخلها الجيش الإسرائيلي أساساً. ترفض تل أبيب توسعة المناطق، رابطة العملية بالتحقق وفقاً لمسارين وهما من جهة إعادة انتشار الجيش كما هي الحال في زوطر الغربية وعدم السماح لحزب الله باعادة بناء قدراته، ومن جهة أخرى إحكام الجيش اللبناني السيطرة على الأرض من خلال حصر السلاح بيده كما يفترض أن تكون الحال في صريفا وفرون. لكن هذه الخطوة التي غمز من قناتها تصريح المتحدث باسم الخارجية الأميركية ما دونها عقبات في ظل إصرار الجانب الإسرائيلي على تفتيش المنازل وهو ما لن يقبل به الجيش إذ لم يتوافر المسوّغ القانوني أو الأمر القضائي الذي يتيح له ذلك. فالجيش اللبناني يرفض وضع عناصره في مواجهة الأهالي ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على البلدات اللبنانية من الخط الأصفر وصولاً إلى البلدات والمدن المأهولة.
أما العقبة الثانية فهي المماطلة الإسرائيلية في الموافقة على الجهة الثالثة التي ستتولى عمليّة التحقق. فتل أبيب وبحسب المصادر كانت تطالب بأن تتولى هي عملية التحقق، لكن وبفعل سقوط هذا الطرح برفض لبناني مطلق بدأ البحث في العروض التي قدّمتها بعض الدول، ولكن لا نتيجة نهائية بعد لأسباب عدة وأبرزها محاولة شراء الوقت من قبل إسرائيل التي لا تحبّذ وجود شاهد على ما ترتكبه.
أمام جملة التعقيدات هذه، من الواضح أن طاولة روما لن تحمل إنجازاً للبنان بل مزيداً من الضغط الذي سيتكثف كلّما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية في إسرائيل.