واقع مقلق وسياسات تنتظر التنفيذ... ماذا يأكل تلامذة لبنان؟

أعاد أول تقييم وطني للتغذية المدرسية في لبنان طرح قضية طالما بقيت على هامش النقاش التربوي: ماذا يأكل التلامذة خلال يومهم الدراسي؟

كشفت النتائج عن تحديات تتعلق بجودة الغذاء وتنوعه، والقدرة على الحصول عليه. كما سلّطت الضوء على الفجوة بين التوجيهات الغذائية والواقع داخل المدارس الرسمية.

ولا تتعلق القضية بنوعية الطعام وحدها. بل تمتد إلى العدالة الاجتماعية والصحة العامة وجودة التعليم. فالتغذية السليمة عنصر أساسي في نمو الأطفال وصحتهم وقدرتهم على التعلم.

ومع صدور هذه النتائج، يبرز سؤال أساسي: هل يملك لبنان الأدوات اللازمة لتحويل التوصيات الغذائية إلى سياسة وطنية قابلة للتنفيذ؟

 

تقييم وطني يكشف تحديات مقلقة
 

في تشرين الأول 2026، أُعلنت نتائج أول تقييم وطني للتغذية والبيئة الغذائية في المدارس الرسمية اللبنانية. وجاء التقييم بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) واليونيسف وشركاء آخرين.

وشمل التقييم 528 مدرسة رسمية، و6,712 تلميذاً، و4,449 أسرة.

وأظهرت النتائج أن 57% من التلامذة المشاركين لم يستوفوا التوصيات الغذائية العالمية. كما أفاد نحو تلميذ من كل خمسة بأنه لا يتناول وجبة خفيفة خلال اليوم الدراسي، ولا يملك المال لشرائها.

وتكشف هذه الأرقام جانبين من المشكلة. الأول يتعلق بالقدرة على تأمين الغذاء. أما الثاني فيرتبط بجودته وقيمته الغذائية.

فقد يحصل الطفل على سعرات حرارية كافية، لكنه لا يحصل بالضرورة على احتياجاته من العناصر الغذائية الأساسية. وقد تتوافر الأطعمة داخل المدرسة، من دون أن توفر التنوع الغذائي المطلوب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر اللبنانية. إذ يمكن أن تؤثر القدرة الشرائية في نوعية الغذاء الذي يحصل عليه الأطفال خلال يومهم الدراسي.

وبذلك، لم تعد التغذية المدرسية مجرد مسألة اختيار غذائي، بل مؤشراً على تفاوت الفرص الصحية بين التلامذة.

 

المقاصف المدرسية: أين تكمن الفجوة؟
تُعد المدرسة من البيئات المؤثرة في تشكيل العادات الغذائية للأطفال. فالأطعمة المتاحة داخلها، وأسعارها، وطريقة الترويج لها، تؤثر جميعها في الخيارات اليومية للتلامذة.

وقد كشف التقييم الوطني عن توافر منتجات غذائية لا تتوافق مع الإرشادات المعمول بها. كما أشار إلى تعرض التلامذة لتسويق الأغذية والمشروبات غير الصحية.

وتطرح هذه النتائج تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة على المقاصف المدرسية.

فالتوعية الغذائية قد تشجع الأطفال على تقليل السكريات وتناول أغذية متنوعة. لكن أثرها يبقى محدوداً عندما لا تدعم البيئة المدرسية هذه الرسائل.

كما لا يمكن تحميل التلميذ وحده مسؤولية خياراته الغذائية. فالاختيار يتأثر بالمنتجات المعروضة وبأسعارها وبالقدرة الشرائية للأسرة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية وضع معايير غذائية واضحة للأطعمة والمشروبات المقدّمة والمباعة في المدارس.

لكن وجود المعايير لا يكفي. إذ يجب أن تترافق مع آليات للرقابة والتقييم، وضمان توافر بدائل صحية وميسورة التكلفة.

فالتحدي لا يقتصر على تحديد ما يجب أن يأكله الأطفال، بل يشمل توفير الظروف التي تجعل الخيارات الصحية ممكنة.

 

ماذا تخبرنا الأدلة العلمية من لبنان؟
تقدم الأبحاث المحلية مؤشرات مهمة حول دور برامج التغذية المدرسية في تحسين الواقع الغذائي والتعليمي.

فقد قيّمت دراسة منشورة في مجلة Public Health Nutrition عام 2022 برنامج التغذية المدرسية الذي نفّذه برنامج الأغذية العالمي في لبنان.

وشملت الدراسة عشر مدارس مستفيدة من البرنامج، وعشر مدارس غير مستفيدة. وضمت تلامذة لبنانيين وسوريين.

وأظهرت النتائج تنوعاً غذائياً أفضل لدى التلامذة في المدارس المستفيدة. كما سُجّل استهلاك أعلى لبعض المجموعات الغذائية، مثل الفواكه والمكسرات ومنتجات الألبان.

وارتبط البرنامج أيضاً بمؤشرات إيجابية تتعلق بالاستمرار في التعليم. وسُجّل انخفاض في التغيب المدرسي لدى التلامذة السوريين المشاركين في الدوام المسائي.

ورغم أن هذه النتائج لا تثبت أن البرنامج وحده تسبب في جميع التحسينات، فإنها تقدم أدلة محلية تدعم أهمية الاستثمار في التغذية المدرسية.

وتنسجم هذه المؤشرات مع نتائج التقييم الوطني لعام 2026. فقد أظهرت المدارس المستفيدة من برامج الوجبات المدرسية نتائج غذائية أفضل، إلى جانب التزام أعلى ببعض المعايير.

وتشير هذه الأدلة إلى أن برامج التغذية المدرسية قد تحقق فوائد تتجاوز توفير الطعام. لكنها تطرح أيضاً تساؤلاً حول استدامة هذه البرامج ومدى وصولها إلى التلامذة الأكثر حاجة.


تجارب دولية: عندما تصبح التغذية جزءاً من السياسة التعليمية
 

تقدم بعض الدول نماذج مختلفة لتنظيم التغذية المدرسية وربطها بالأهداف الصحية والاجتماعية.

في البرازيل، يربط البرنامج الوطني للتغذية المدرسية بين توفير الوجبات ودعم الزراعة الأسرية. ويخصص جزءاً من التمويل الاتحادي لشراء المنتجات من المزارعين الأسريين.

ويساهم هذا النموذج في تعزيز العلاقة بين التغذية المدرسية والإنتاج الزراعي المحلي. كما يوضح إمكانية توظيف الإنفاق على الوجبات المدرسية لدعم أهداف اقتصادية واجتماعية أوسع.

أما في فنلندا، فتُقدَّم وجبات مدرسية مجانية ومتوازنة ضمن النظام التعليمي. وهي خدمة أساسية يستفيد منها التلامذة، وليست مجرد مساعدة غذائية مرتبطة بالأزمات.

ولا يمكن تطبيق هذه النماذج في لبنان بصورة مباشرة. فالظروف الاقتصادية والمؤسساتية مختلفة. لكنها تقدم دروساً حول أهمية التخطيط والتمويل المستدام والمعايير الغذائية الواضحة.

ويمكن للبنان الاستفادة من هذه المبادئ عبر تعزيز التعاون مع المزارعين والمنتجين المحليين. فقد يساهم استخدام المنتجات الموسمية في تطوير وجبات مغذية، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين استدامة سلاسل الإمداد.

لكن نجاح هذا التوجه يتطلب دراسة التكلفة والقدرة الإنتاجية، وضمان سلامة الغذاء وجودته.

 

من نتائج التقييم إلى سياسة وطنية
 

أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، بالتزامن مع نتائج التقييم الوطني، عن توجه لإعداد سياسة وطنية للتغذية المدرسية. وتشمل الخطوات المقترحة تحديث القواعد المنظمة للأغذية والمشروبات داخل المدارس، وتعزيز التثقيف الغذائي.

كما أُعلن عن توسيع برنامج الوجبات المدرسية الطارئ ليصل إلى نحو 150 ألف تلميذ.

وتشكل هذه الخطوات فرصة مهمة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان استمراريتها وتحويلها إلى إجراءات قابلة للقياس.

فالتغذية المدرسية لا ينبغي أن تعتمد حصراً على التمويل الخارجي أو الاستجابة للأزمات.

ويحتاج لبنان إلى معايير غذائية موحدة للوجبات والمقاصف المدرسية. كما يجب تطوير آليات واضحة لمراقبة الموردين وضمان سلامة الغذاء خلال التحضير والنقل والتخزين والتوزيع.

ومن الضروري أيضاً تحديد تكلفة وجبة مدرسية صحية تتناسب مع الواقع الاقتصادي اللبناني. ويمكن الاستفادة من المنتجات المحلية والموسمية لتطوير خيارات مغذية وبتكلفة مدروسة.

كما ينبغي أن تراعي السياسة الوطنية الفوارق الاقتصادية بين المناطق والأسر. فبعض التلامذة يحتاجون إلى دعم أكبر لضمان حصولهم على غذاء مناسب.

وللجامعات واختصاصيي التغذية والباحثين الشباب دور مهم في هذا المجال. إذ يمكنهم المساهمة في تصميم وجبات صحية منخفضة التكلفة، وتقييم جودتها، ودراسة أثر البرامج على صحة التلامذة وانتظامهم المدرسي.

لكن نجاح هذه الجهود يتطلب مؤشرات واضحة. كم تلميذاً يحصل على وجبة متوازنة؟ وهل تتحسن جودة غذائه؟ وهل تلتزم المقاصف بالمعايير؟ وهل تتوافر الموارد اللازمة لاستمرار البرامج؟

فنجاح السياسة الوطنية لا يتوقف على إطلاق المبادرات، بل على قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.


التغذية المدرسية أولوية لا يمكن تأجيلها
وفّر التقييم الوطني لعام 2026 قاعدة مهمة لفهم واقع التغذية المدرسية في لبنان. لكن تحويل نتائجه إلى سياسات فعالة يتطلب تعاوناً بين الجهات المعنية.

وتشمل هذه الجهات وزارات التربية والصحة العامة والزراعة والشؤون الاجتماعية والاقتصاد، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية.

كما يتطلب الأمر الانتقال من المبادرات المؤقتة إلى برامج مستدامة، ومن التركيز على التوعية وحدها إلى تحسين البيئة الغذائية المدرسية.

ولا ينبغي النظر إلى التغذية المدرسية بوصفها تكلفة إضافية على النظام التعليمي. بل استثماراً في صحة الأطفال ونموهم وقدرتهم على التعلم.

لقد أصبح تحسين التغذية المدرسية ضرورة تتجاوز توفير الوجبات. فالمطلوب بناء نظام يضمن حصول التلامذة على غذاء صحي وآمن، بغض النظر عن ظروفهم الاقتصادية.

والاختبار الحقيقي اليوم ليس في حجم البيانات التي كشفها التقييم الوطني، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى تغيير يلمسه التلامذة في مدارسهم.