وزراء خارجية 17 دولة عن محادثات واشنطن: ولادة مسار جديد

يشكّل البيان الصادر عن وزراء خارجية سبع عشرة دولة غربية محطة سياسية لافتة في مقاربة المجتمع الدولي للتطوّرات في لبنان، إذ يجمع بين دعم مسار التهدئة مع إسرائيل، والدفع باتجاه إعادة تكريس سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما في ذلك احتكارها الحصري السلاح والقرار السياسي.

في السياق الدبلوماسي، يرحّب البيان الذي صدر بالتزامن مع انطلاق محادثات واشنطن اللبنانية - الإسرائيلية، بالمبادرة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون لفتح قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل، ويشيد بقبول هذا المسار برعاية الولايات المتحدة، معتبرًا أن المفاوضات المباشرة تمثل فرصة جدية للوصول إلى ترتيبات أمنية مستدامة. وعلى الرغم من أن الدول الموقعة لا تشارك في مفاوضات واشنطن، وأن مصدرًا فرنسيًا يقول إن تل أبيب رفضت مشاركة فرنسا لأنها منحازة إلى جانب لبنان ولا تدعم تجريد "حزب اللّه" من السلاح، فإن هذه الدول تسعى بوضوح إلى التأثير في مسارها من خلال تأكيد ضرورة اغتنام هذه اللحظة السياسية، والدفع نحو خفض التصعيد بشكل عاجل وصولًا إلى إنهاء الحرب والسلام.

فصل المسارات

يكتسب هذا التوجّه أهمّية إضافية في ظلّ دعوة البيان إلى الاستفادة من وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على ضرورة فصل مسار التهدئة في لبنان عن مسار التفاوض الإيراني– الأميركي. ويعكس ذلك رغبة دولية واضحة في تحييد الساحة اللبنانية عن التجاذبات الإقليمية، وسحبها من دائرة الصراع الأوسع، بما يعني عمليًا تقليص استخدام لبنان كورقة ضغط في يد أطراف خارجية، وفي مقدّمها إيران وحليفها "حزب اللّه".

في البعد الإنساني، يعبّر البيان عن تضامن كامل مع الدولة اللبنانية وشعبها، مع استعداد لتقديم مساعدات عاجلة لأكثر من مليون نازح، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية. ويؤكد هذا الجانب أن الاستقرار الأمني لا ينفصل عن معالجة التداعيات الاجتماعية والإنسانية للأزمة.

مظلة الشرعية الدولية

غير أن جوهر البيان يتمثل في شقه السياديّ، حيث يشدّد على ضرورة احترام وحدة الأراضي اللبنانية وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، وهو تشديد على التمسّك بإطار الشرعية الدولية لمعالجة الملف اللبناني - الإسرائيلي وفقًا لقرارات مجلس الأمن التي تعتبر الضامن القانوني والسياسي للإجراءات المتعلّقة بضبط النزاع والانتقال إلى الحل النهائي، مع دعم واضح لتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها. وفي هذا الإطار، يبرز الدعم الواضح لقرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لـ "حزب اللّه"، باعتباره خطوة مفصلية في اتجاه إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.

يذهب البيان أبعد من ذلك، إذ يتضمّن دعمًا ضمنيًا وصريحًا لقرارات نزع سلاح "حزب اللّه"، واعتبار نشاطاته العسكرية غير قانونية، ما يعني سحب ورقة السلاح من يده، وهي الورقة التي شكلت لعقود أحد أبرز عناصر قوته ونفوذه. وبهذا المعنى، يمكن قراءة البيان كإقرار دولي بضرورة إنهاء حقبة استضعاف الدولة وتجيير قرارها لحساب مجموعات تشكّل جزءًا من منظومة إقليمية وتعتمد زعزعة الاستقرار الأمني الدائم والترهيب بالسلاح غير الشرعي كأداة أساسية لسياساتها، وكمحاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية والأمنية داخل لبنان.

هذا التحوّل لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتدّ إلى البعد السياسي، حيث يحدّ من قدرة "حزب اللّه" على التأثير في القرارات السيادية للحكومة، بما في ذلك توجّهاتها الخارجية وعلاقاتها الإقليمية. فمع تزايد الدعم الدولي لسيادة الدولة، يصبح أي دور موازٍ خارج إطارها عرضة للضغط والعزلة.

مخاطر التفجير

في موازاة ذلك، يحافظ البيان على توازن دبلوماسي من خلال إدانته الشديدة هجمات "حزب اللّه" على إسرائيل والدعوة إلى وقفها فورًا، بالتوازي مع إدانة الضربات الإسرائيلية الواسعة على لبنان، ولا سيّما تلك التي وقعت في الثامن من نيسان. ويعكس هذا التوازن حرصًا على تثبيت منطق التهدئة الشاملة، ومنع الانزلاق إلى تصعيد جديد.

ومع أن مصدرًا دبلوماسيًّا قريبًا من الموقعين على البيان يعترف بصعوبة المرحلة ودقتها ويأخذ بواقعية احتمالات لجوء المتضررين إلى محاولة تعطيل مسيرة الدولة على مساري تصعيد المواجهة مع إسرائيل وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي وربما الأمني في الداخل، فإن البيان يقدّم رؤية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: دعم مسار التهدئة بين لبنان وإسرائيل عبر مفاوضات مباشرة، فصل الساحة اللبنانية عن الصراعات الإقليمية ولا سيما التفاوض الإيراني– الأميركي، وإعادة القرار السيادي بما في ذلك السلاح— إلى الدولة اللبنانية. وهي مقاربة، إذا ما كُتب لها أن تُترجم عمليًا، فقد تمهّد لمرحلة جديدة في لبنان، تعاد فيها صياغة التوازنات الداخلية، ويُعاد فيها تثبيت موقع الدولة كمركز وحيد للسلطة والقرار وعندها تنطلق ورشة إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة بنائها وإعادة تكوين الجيش بالعقيدة الجديدة وتقديم التجهيزات والإمكانات ليصبح القوة العسكرية الوحيدة على كامل التراب اللبناني بما يؤمّن استعادة السيادة الأمنية والعسكرية للدولة منفردة. وبذلك يكون خلاص لبنان قد تحقق.