المصدر: Kataeb.org
الأربعاء 1 تموز 2026 16:42:28
شارك وزير العدل، عادل نصار، في أعمال المؤتمر العالمي التاسع لمناهضة عقوبة الإعدام الذي افتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة أكثر من 1500 شخصية من نحو 100 دولة وجنسية، من بينهم رؤساء دول ومسؤولون حكوميون ووزراء عدل وبرلمانيون وقضاة وخبراء قانونيون وممثلون عن منظمات دولية وحقوقية، في أكبر تجمع دولي مخصص لمناهضة عقوبة الإعدام وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.
وجاءت مشاركة لبنان في هذا المؤتمر الدولي بعد الخطوة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية بإبداء موافقتها على اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، والذي أقرّته اللجان النيابية المختصة، بانتظار عرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب.
وألقى الوزير نصار كلمة لبنان أمام المؤتمر، مؤكداً أن قرار المضي في مسار إلغاء عقوبة الإعدام لا يأتي رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، بل بسببها، معتبراً أن بلداً لم يتوقف فيه نزيف دم الأبرياء هو الأقدر على إدراك قيمة أن تمتنع الدولة عن سلب الحياة، وأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على القتل، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة وصون الكرامة الإنسانية.
وقال:
“لقد بدأ لبنان مسار إلغاء عقوبة الإعدام.
فبعد أكثر من عشرين عاماً من التجميد الفعلي لتنفيذ هذه العقوبة، حيث لم تُنفَّذ أي عملية إعدام، أقرّت الحكومة اللبنانية، للمرة الأولى قبل أسابيع، اقتراح القانون الرامي إلى إلغائها، ثم حاز الاقتراح موافقة اللجان النيابية المختصة، وهو اليوم بانتظار إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب.
قد يبدو هذا الإصرار على إلغاء عقوبة الإعدام مستغرباً في بلد أنهكته دوامة العنف لأكثر من خمسين عاماً، وفي وطن لم يتوقف فيه نزيف الأبرياء.
لكن ربما تكمن الحقيقة في العكس تماماً.
فلأن بلدي عاش كل هذا الزمن تحت وطأة العنف والقتل والظلم، فإن قراره بإلغاء عقوبة الإعدام يصبح أكثر عمقاً، وأكثر معنى.”
وشدد وزير العدل على أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يمس حقوق الضحايا ولا يعني التساهل مع الجريمة، بل يعبر عن التزام الدولة بحماية العدالة نفسها، مؤكداً أن «الجمهورية لا تقتل، ولا تنتقم»، وأن حماية الجمهورية تقتضي ألا يُطلب من القضاء أن يقرر إنهاء حياة إنسان، مهما بلغت فداحة الجريمة.
وأضاف:
“لم يعد ينبغي للقضاء اللبناني أن يقرر إنهاء حياة إنسان.
إن فظائع الحروب والإرهاب، وبشاعة الجرائم، ولا سيما تلك المرتكبة بحق الأطفال وكبار السن، لا يمكن إلا أن تصدم ضمائرنا.
لكن لا يجوز أن يُفهم إلغاء عقوبة الإعدام على أنه تساهل مع الجريمة.
ولا أن يُفسَّر على أنه تسامح أو تهاون مع أفعالٍ شنيعة، غالباً ما يكون ضحاياها أبرياء.
فنحن لا نحمي المجرم.
بل نحمي جمهوريتنا.
جمهوريتنا لا تقتل.
ولا تنتقم.
وقضاتنا لن يعودوا أمام ذلك العبء الأخلاقي الذي لا يُحتمل: أن يقرروا موت إنسان.”
وأكد الوزير نصار أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يمس حقوق الضحايا ولا يعني التساهل مع المجرم، مشدداً على أن الموت لا يواسي أحداً، وأن حرمان الإنسان من حريته قد يكون أقسى العقوبات.
وقال:
“لكن الاعتقاد بأن إلغاء عقوبة الإعدام يعني نقصاً في التعاطف مع الضحية، ينطوي على خطأين.
الخطأ الأول، هو أن ننسب إلى الموت قدرةً لا يملكها، وهي مداواة آلام الآخرين، بينما هو لا يفعل سوى تغذية نزعات العنف والانتقام.
أما الخطأ الثاني، فهو التقليل من شأن السجن، وكأن الحرمان من الحرية عقوبة خفيفة، بينما هو في الحقيقة من أشد ما يمكن أن يواجهه الإنسان.”
وأضاف:
“لن تعيد عقوبة الإعدام الطمأنينة إلى عائلات الضحايا.
فالموت لا يواسي أحداً.
إنه يترك في الفم طعم الرماد، ولا يزيد الألم إلا مرارة.
ولا أحد يخرج من مشاهدة تنفيذ حكم بالإعدام أكثر سلاماً.
للضحايا الحق في الاعتراف بمعاناتهم.
ولهم، قبل أي شيء، الحق في العدالة.
وإلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يخفف إدانتنا للجريمة، بل يجب أن يجعلها أكثر وضوحاً وحزماً.
كما يجب أن يقترن دائماً بتعاطف لا يتزعزع مع الضحايا.”
وأكد وزير العدل أن لبنان، رغم ما شهده من حروب وعنف وإرهاب، لن يتخلى عن الديمقراطية والحرية والتعددية، معتبراً أن الدفاع عن حقوق الإنسان يصبح أكثر إلحاحاً في أزمنة الأزمات، لا أقل، وأن التمسك بهذه المبادئ هو السبيل لحماية الدولة وصون كرامة الإنسان.
ويُعد المؤتمر العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام المرجع الدولي الأبرز في هذا المجال، ويجمع دورياً صناع القرار والهيئات القضائية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لتنسيق الجهود الرامية إلى الإلغاء العالمي لعقوبة الإعدام وتعزيز العدالة وسيادة القانون.