المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
السبت 14 شباط 2026 07:13:50
بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة في ملف النفايات الصلبة، أعلنت الحكومة اللبنانية في جلستها في الثلاثين من شهر كانون الثاني المنصرم تشكيل وتعيين الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة لوضع السياسات والإشراف على المعالجة والنقل والتدوير في كل الأراضي اللبنانية. خطوة كانت تنتظرها القطاعات البيئية والمدنية منذ أشهر وسنين بأمل الخروج من الحلول الموقتة التي رافقت التعاطي الرسمي مع أزمة النفايات، والانطلاق نحو إطار مؤسسي مركزي واستراتيجية وطنية موحدة لإدارة النفايات. فهل بات لبنان على الطريق القويم لمعالجة أزمته البيئية؟ أم أنها مجرد خطوة شكلية داخل دائرة الهدر والفساد؟
أنجزت وزارة البيئة تشكيل مجلس إدارة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة رئاسة وأعضاء. وتم تعيين مروان رزق الله رئيسًا للهيئة، وذلك بهدف وضع خارطة طريق لقطاع النفايات وفقًا للقانون 80/2018، وتولي المسؤولية الكاملة عن الإدارة المتكاملة للنفايات مع صلاحيات تنفيذية وتنسيقية بين الوزارات والبلديات والقطاع الخاص. ويترقب المشرعون كما المهتمون بالشأن البيئي انطلاقة العمل وآلياته، فهل يكون على قدر التوقعات؟
ترى النائبة نجاة صليبا عون ومن موقعها النيابي والبيئي والأكاديمي أنه من الأهمية بمكان تفعيل الهيئة الوطنية لإدارة النفايات، ولكن الأهم أن تكون هناك استراتيجية وطنية مقرّة من الحكومة، وتقول: "لقد عرفنا من وزيرة البيئة تمارا الزين أن استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات قد أقرّت، وعلينا الاطلاع عليها لتقييمها ومعرفة ما إذا كانت ممكنة التطبيق. وفي الوقت ذاته، ثمة ضرورة لتعديل قانون النفايات 80\2018. وقد تقدمتُ بهذا التعديل بعد عمل سنتين عليه. وبهذا يصبح المشروع متكاملًا ما بين استراتيجية موضوعة من السلطة التنفيذية، مع تعديل للقانون من السلطة التشريعية، وإنشاء الهيئة الوطنية لإدارة النفايات، بحيث تصب الاتجاهات الثلاثة نحو هدف واحد هو إنهاء مشكلة النفايات الدائمة بشكل واضح وصريح. فالتنسيق مطلوب من أجل إدارة متكاملة تغطي كل الجوانب. على ألا تكون قرارات السلطة التنفيذية خاطئة تؤدي إلى الخراب كما جرى في السابق، حيث أدت إلى فضائح وخراب وعدم رؤية متكاملة لمشكلة النفايات. وقد ورثت الحكومة الحالية الاستراتيجية التي وضعها وزير البيئة السابق د. ناصر ياسين. ويبدو أنها تريثت حتى إقرار وتعيين الهيئة قبل إعادة النظر بالاستراتيجية السابقة، وباتت اليوم على استعداد لوضع الاستراتيجية الجديدة المعدّلة وإطلاق العمل فيها". وتؤكد عون "أن المجلس النيابي كما البيئيين في المرصاد لمراقبة التنفيذ، والتأكد ما إذا كانت الأمور تسير في الطريق الصحيح، أم أنها ستؤدي مرة جديدة الى إهدار المال العام والفضائح، وعدم اعتماد إدارة متكاملة رشيدة".
الاستقلالية والشفافية ضمان النجاح
من جهته، يعبّر رئيس التجمع اللبناني للبيئة المهندس مالك غندور عن الآمال الكبيرة المعقودة على الهيئة الوطنية لإدارة النفايات، قائلًا: "بعد طول انتظار، تشكّلت الهيئة التي يعلّق عليها البيئيون آمالاً كبيرة لوضع حد للفوضى القائمة في إدارة هذا القطاع ومعالجة مشاكله. ونأمل من الهيئة الجديدة، أن تكون العقل المركزي لإدارة كل ما يتعلق بالنفايات وفقًا لخطة وطنية متكاملة تشمل النفايات الصلبة والطبية والصناعية والخطرة، والأخذ بالاعتبار التطور العمراني والصحي وفقًا لمعايير واضحة للفرز والجمع والنقل والمعالجة، مع الزام البلديات والمتعهدين بإجراءات تطبيقية ملزمة وفرض عقوبات صارمة على المخالفين".
وفي خضم ملف معالجة النفايات الصلبة الشائك ثمة جانب يبقى الأهم كما يقول غندور هو "النفايات الخطرة الموجودة أو المتبقية في لبنان وفي مكب بصاليم بالذات منذ سنوات عدة. فهذا النوع من النفايات يشكل الخطر الأكبر صحيًا و بيئيًا ولا بد من التعامل معه بدراية وجدية وفق معاهدة بازل الدولية".
ويبقى الأمر الأساسي هو عدم تحوّل الهيئة إلى لجنة تكتفي بالعمل الروتيني لتوقيع العقود والمهل فتكون حينها قد حكمت على نفسها بالفشل قبل أن تبدأ. ويعتمد نجاحها أو فشلها على استقلاليتها وألتزامها الدور المطلوب منها بشفافية بعيدًا من الغرق في متاهات العلل اللبنانية المعروفة، التي أدت إلى ما أدت إليه في جميع مرافق الحياة في لبنان. وهناك في العالم تجارب ناجحة جدًا على صعيد إدارة النفايات الصلبة، فلمَ لا نجرّب واحدة منها باعتمادنا إدارة رشيدة بعيدة عن الفساد؟
ومن منطلق اهتمامه بالبيئة البحرية، يقترح المهندس مالك غندور على رئيس الهيئة إعطاء الأولوية لوضع حد للمكبات البحرية الواقعة على الساحل اللبناني، لما تحمله من أثر بالغ السوء على المنظومة البحرية، وتعد مخالفة لالتزام لبنان بمعاهدة برشلونة، ومنع المكبات العشوائية عند مصادر المياه وفي البحر أو في مكبات عشوائية وتحويلها بدل ذلك إلى مصدر للاستفادة واستعمالها لغايات إنشائية وتأهيل الطرقات والأرصفة وتأهيل الفجوات الطبيعية.
النفايات طاقة مهدورة
عملياً، ينتج كل فرد كيلوغرامًا واحدًا من النفايات في اليوم. و إذا اعتبرنا أن عدد سكان لبنان اليوم حوالى 6 ملايين نسمة، فهذا يعني إنتاج حوالى 6000 طن من النفايات يوميًا تشمل الموجود منها على البر وفي البحر، وقد تختلف قليلاً هذه الأرقام وفق المناطق. لكن هذا الرقم هو المعدل المتداول الذي تبنى عليه الاستراتيجيات. وحتى اليوم، لا تزال المكبات العشوائية هي المشكلة الأساسية في استيعاب هذه النفايات لأنها تؤثر سلبًا على البيئة وخاصة المياه الجوفية. ويتسبب إحراقها بتلوث الهواء ويشكل هدرًا كبيرًا لكل المواد التي يمكن أن تنتجها النفايات. أما بالنسبة لمكبات الجهات الرسمية مثل، مكبات الجديدة وبرج حمود وكوستا برافا، فهي تكاد تصل إلى سعتها الاستيعابية القصوى. وما حصل في مكب الجديدة من استحداث لوحدات تخزين جديدة على حساب سكان المنطقة، والمشاريع الإنمائية التي وعدوا بها هو خير مثال على ذلك. أما مطمر كوستا برافا فيكاد يصل إلى سعته الاستيعابية القصوى رغم كون الردميات الملقاة في محيطه نتيجة الحرب الأخيرة قد أطالت عمره ووسعت مساحته لبعض الوقت. وكانت بلدية الشويفات قد بدأت الإعداد لتحركات شعبية وإعلامية ترفع الصوت لإيجاد حلول للمكب وتعويضات مالية للبلدية إلا أن أعلى الجهات طالبتها بالتريث لبضع الوقت ريثما يتم السعي إلى رسم خطة متكاملة لحل مشكلة النفايات الصلبة. وكان النائب مارك ضو في أواسط شهر كانون الثاني قد وجه سؤالاً إلى الحكومة وإلى وزير المال بشكل خاص مستفسرًا عن الأسباب التي حالت دون تنفيذ الدولة تعهداتها تجاه بلدية الشويفات، وبخاصة لناحية تسديد المستحقات المتأخرة، وتثبيت حقوق البلدية بإدارة واستثمار سطح المطمر في جميع مراحله. وسأل عن مدى التزام الحكومة الحالية بتمكين البلدية من إنشاء مشاريع طاقة شمسية على سطح المطمر واستثمار الغازات المنبعثة منه لتوليد الطاقة الكهربائية، كما هو منصوص عليه في قرارات مجلس الوزراء السابقة؟
ولكن حتى اليوم، لا مطمر الجديدة ولا مطمر الكوستا برافا يشهدان أي اتجاه لتحويلهما إلى مصادر إنتاج بدل استيعاب أو استغلال سطحهما لمشاريع إنمائية تستفيد منها المناطق التي عانى أهلها لسنوات طوال من الانعكاسات السلبية للتلوث والانبعاثات الضارة من المطامر. ولا يمكن إنكار الأثر البيئي البحري الكارثي لهذه المطامر التي تتسرب منها العصارة الضارة إلى البحر المتوسط مؤثرة على منظومة الأحياء البحرية فيه وعلى جودة المياه على الشاطئ اللبناني.
ويمكن أن تتحوّل معامل إعادة التدوير ومعامل التسبيخ إلى مصدر للتلوث في حال لم تكن تعمل بشكل سليم ومراقَب وتنتج عصارات يمكن أن تتسرب إلى التربة والمحيط وتسبّب تلوثًا وضررًا للبئية.
إن كل ما يتعلق بالنفايات يحتاج الى إدارة جيدة ومسؤولية عالية. فهل تكون الهيئة الوطنية لإدارة النفايات بإدارتها الجديدة، خشبة الخلاص لإيجاد حلول مستدامة للنفايات؟ أم أن السلطة العميقة التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من فساد سياسي وبيئي مستشرٍ، غير قادرة على اجتراح الحلول كما تقول النائبة عون؟ وتضيف عون: "إن الحكومة الجديدة، ورغم وجود بعض رموز السلطة القديمة فيها، قد بدأت تعمل بشكل صحيح وبناء بعيدًا من المحسوبيات السياسية والحزبية من خلال بعض الوزراء، مع التمني أن يكون هذا النهج الجديد هو الطريق للخروج من نفق الفساد والوصول إلى إدارة سليمة للمرافق العامة".