المصدر: أساس ميديا
الكاتب: زياد عيتاني
الثلاثاء 21 نيسان 2026 07:56:42
في علم الجريمة ثابتة يُقرّ بها الجميع، وهي أنّ القاتل لا بدّ أن يعود إلى مسرح الجريمة. بعد 21 عاماً على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التي ارتكبها محور إيران وحلفاؤه، عاد مستشار المرشد الإيرانيّ علي ولايتي إلى مسرح الجريمة في تصريح له كأنّه يقف أمام فندق السان جورج، متفقّداً ومُنتقداً، موجّهاً سهامه إلى الرئيس الشهيد الذي انتصر بموته، بعد كلّ هذه السنوات، بانتصار منطق الدولة على منطق الدويلة.
يحاول الإيرانيّون السطو على قرار وقف إطلاق النار في لبنان، على قاعدة أنّهم هم من فرضوه وكانوا خلفه، وكأنّهم أشعلوا الحرب كي يحصلوا على قرار وقف إطلاق النار. إلّا أنّهم، على الرغم من حملة الأضاليل في كلّ مناسبة وتفصيل منذ اندلاع الحرب، أدركوا أنّهم في مواجهة مباشرة مع مشروع رفيق الحريري. لسان حالهم يقول: “لقد قتلناه في 14 شباط 2005، فكيف نسمح له أن ينتصر بعد كلّ هذه السنوات في 2026؟”.
كان ولايتي واضحاً في رسم مأزقه ومأزق دولته عندما قال إنّ “الحكومة اللبنانيّة تنتهج أسلوب رفيق الحريري، لكنّ داعميه أنفسهم قد فشلوا، وهذا النهج لا يصبّ في مصلحة لبنان. وإذا واصلت الحكومة اللبنانيّة المواجهة مع “الحزب”، فإنّ الشعب اللبنانيّ سيتخلّى عنها”.
انفصام سياسيّ
يعيش محور إيران ومن والاه حالة انفصام سياسيّ شديد. قبل أسبوعين، وقف من بقي من أنصار “الحزب” أمام السراي الحكوميّ، متّهمين الرئيس نوّاف سلام بالصهيونيّة، وهم يحملون صوراً للرئيس الشهيد ويطلقون الأغاني والأناشيد التي تتحدّث عنه وعن خسارة البلد له. قبل ذلك بأشهر، وضعوا صورته بأجهزة الليزر على صخرة الروشة، صارخين: “أين أنت يا رفيق”. بعد كلّ ذلك أطلّ ولايتي متّهماً الحكومة الحاليّة التي يرأسها الرئيس نوّاف سلام بأنّها تسلك نهج رفيق الحريري، مهدّداً إيّاها بالويل والثبور والإسقاط في الشارع إن بقيت تسير على هذا النهج الحريريّ.
يريد هذا المحور صورة رفيق دون نهجه، وأغاني رفيق دون ثوابته. يتعاطون مع رمزيّته “غبّ الطلب”، لعلّ ذلك ينفعهم في لحظة الإفلاس السياسيّ والعسكريّ.
بدأت نهاية هذا المحور تحديداً عند الساعة الثانية عشرة، بتوقيت بيروت، يوم 14 شباط 2005، عندما فجّروا طنّاً من المتفجّرات بموكب رفيق، معتقدين أنّ المشروع الذي يحمله هذا الرجل هو مشروع خطِر.
تحوّل “الحزب” ومحوره، بجريمة الاغتيال، من موقع المقاوم للعدوّ إلى موقع القاتل. سقط القناع عن القناع، كما يقول محمود درويش في قصيدته الشهيرة، فكانت ثورة الأرز، تماماً كما يقول درويش: “سقطت يدك فالتقطها، اضرب عدوّك بي… أنت الآن حرٌّ، حرٌّ، حرُّ”.
عبثاً حاولوا إلغاء ما فعله رفيق في التنمية والاقتصاد ورسم صورة المستقبل والاستفادة من التاريخ. استهدفوا المصارف والقطاع المصرفيّ، وتحالفت الميليشيا مع الفاسدين. قتلوا الكثير من رفاق رفيق: بيار الجميل، محمّد شطح، وسام الحسن، وليد عيدو، ومعهم الكثيرون. إلّا أنّ عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، هكذا تقول قاعدة السياسة والحكم والتدبير. فإذا، بعد واحد وعشرين عاماً، يدخل السراي أحد القضاة الذين وثق بهم رفيق الحريري كممثّلين للبنان لدى المجتمع الدوليّ، ليعيد للدولة رونقها وعزّها ومؤسّساتها، ليس تقليداً لرفيق، بل لأنّه نهج امتهنته طائفة أساسيّة في المعادلة الوطنيّة منذ إعلان دولة لبنان الكبير، حين جلس مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، واضعاً عمامته درعاً لنشوء الوطن الجميل.
ما استطاعت إيران حرف السُّنّة عن دورهم الوطنيّ، على الرغم من كلّ المحاولات. ألا تذكرون ذاك السفير الإيرانيّ عندما زار دار الفتوى يوماً واصفاً مفتي الجمهوريّة بالقول: “التقيت مفتي السنّة”، فثارت بوجهه الاعتراضات من كلّ حدب وصوب، إذ إنّ لقب “مفتي الجمهوريّة” متاح لاثنين: الأوّل رئيس الجمهوريّة، والثاني مفتي الجمهوريّة، فما يصنعه التاريخ لا يلغيه مأزق صغير؟
عاد ولايتي إلى مسرح الجريمة في السان جورج، على شاطئ بيروت، ليُفاجأ أنّ بيروت ولبنان كلّهم رفيق.