المصدر: المدن
السبت 3 كانون الثاني 2026 00:59:33
أدى عدم اهتمام بعض الدوائر الفاعلة في السلطة السورية بوثائق المرحلة الأسدية التي تحوي ملفات وقضايا وأوامر وبيانات متفاوتة الأهمية، بفقدان الآلاف منها سواء من خلال تعرضها للإتلاف غير المقصود، أو تمريرها إلى خارج البلاد، وفقاً لما رصدته "المدن" استناداً إلى مصادر مطلعة.
إتلاف غير متعمد
وتتنوع الوثائق التي تركها النظام السابق، وتشمل جميع مفاصل الدولة والبيروقراطيتين الإدارية والعسكرية، وهي وثائق هائلة من حيث الحجم، حيث تقدر مصادر خبيرة بالوثائق خلال حديث لـ"المدن"، حجمها بعدد كبير من الكيلومترات، تعرض قسم كبير منها للتلف أو التسريب إلى الخارج، ما ينعكس سلباً على ملفات عديدة مثل المعتقلين والعدالة الانتقالية.
في أحد المراكز التابعة لحزب البعث داخل دمشق، يروي عماد، وهو أحد العسكريين التابعين للجيش السوري الجديد، تفاصيل مثيرة حول تعرض آلاف الوثائق السياسية والإدارية في هذا المركز للحرق، على يد زملائه العسكريين.
ويوضح عماد لـ"المدن"، أنه تم تجميع أكوام كبيرة من الوثائق التي وُجدت في قبو المركز وفي مجموعة من الخزائن المعدنية، ثم تخلص منها العناصر بواسطة إشعال النيران فيها، لافتاً إلى أنه اطلع من باب الفضول على عدد من هذه الوثائق قبيل حرقها والتي كانت تشمل قوائم كبيرة بأسماء الأعضاء الحزبيين الفاعلين في الحزب، مع وثائق إدارية أخرى.
لا أوامر بحماية الوثائق
في المربع الأمني بدمشق، يؤكد مصدر آخر لـ"المدن"، تعرض آلاف الوثائق الأمنية والإدارية للتلف سواء عبر الدعس عليها بواسطة الأشخاص الموجودين في المنطقة بعد تعرضها للبعثرة في ظل حالة الفوضى التي رافقت سقوط النظام، أو تعرض جزء منها للحرق أيضاً، أو عبر تهريبها نحو أماكن وجهات مجهولة.
ويلفت المصدر إلى أن معظم العناصر الثوار لم يكونوا على دراية بأهمية هذه الوثائق، ويؤكد عدم ورود تعليمات من القيادة بخصوصها، لأسباب غير معلومة، قد تكون لانشغالها بالترتيبات اللاحقة لسقوط النظام.
مخاطر وتبعات كبيرة
وتعليقاً، يرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديث لـ"المدن"، أن فقدان آلاف الوثائق ستنتج عنه تبعات خطيرة جداً على مسار العدالة الانتقالية، لأن وثائق المرحلة الأسدية ليست مجرد أوراق إدارية، بل ذاكرة دولة وأدلة جرمية.
ويلفت إلى أن اللامبالاة التي أبدتها بعض الدوائر الفاعلة بخصوص هذه الوثائق، ستكون لها كلفة طويلة الأمد، كونها تؤدي إلى إضعاف مسار كشف الحقيقة، وتخلق فجوة بين الحقيقة والذاكرة الوطنية، وتؤدي إلى تعقيد المساءلة القضائية الوطنية، بالموازاة مع حرمان الضحايا من حقهم في الحقيقة، نظراً لأنها ليست ملكاً للسلطة ولا للباحثين، بل حق أصيل للضحايا.
ويحذر الكيلاني من مخاطر تسييس الوثائق المهربة خارج البلاد أو توظيفها خارج سياق العدالة، خصوصاً مع احتمالية تحولها إلى مادة للاستخدام السياسي أو الإعلامي أو حتى التفاوضي، داعياً السلطة إلى تصحيح هذه الأخطاء قبل تفاقمها عبر إعلان أن الوثائق أولوية سيادية وعدلية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الأرشيف تهتم بجمع وتأمين الوثائق الموجودة وتوثيق المفقود منها سواء المهرب أو الذي تعرض للتلف.
ويؤكد أن اللامبالاة بوثائق المرحلة الأسدية ليست خطأً إدارياً بل خطأ استراتيجي، وإن لم تُصحّح سريعاً سنواجه عدالة ناقصة وحقيقة مجتزأة، وذاكرة وطنية تُكتب خارج البلاد. أما تصحيح المسار، فيبدأ بالاعتراف بقيمة هذه الوثائق، لا كعبء من الماضي، بل كشرط لبناء دولة لا يتكرر فيها ما حدث.