المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
الثلاثاء 6 تشرين الأول 2026 06:50:29
موسم التفاح هذا العام وافر وكريم، لكنه، بقدر ما يحمل ثمارًا، يحمل تحديات. إنتاج يُقدَّر بنحو 200 ألف طن يفتح الباب على تساؤلات حول قدرة لبنان على استيعاب هذا المحصول وتسويقه وتصريفه في الوقت المناسب. السوق المحلية وحدها لا تستهلك هذه الكمية، وباب التصدير مفتوح، لكن دونه عقبات، والمنافسة في الأسواق الخارجية قوية. ومع ارتفاع كلفة التوضيب والنقل والتبريد، يقف المزارع، كما التاجر والمصدّر، خائفًا على مصير موسمه.
وزارة الزراعة تتحرك بزخم لإنقاذ الموسم، وبين حملات تسويقية في الإعلام وعلى مواقع التواصل لحث اللبنانيين على التعلق بتفاحهم ووضعه في صلب عاداتهم الغذائية، وبين محاولات لفتح أسواق جديدة وتوسيع الصادرات إلى مصر والأردن والعراق والخليج وإيجاد حلول عملية لكلفة التخزين والتبريد والشحن لا يبدو التفاح متروكًا، لكن نجاح الموسم على المحك لا سيما إذا استمر ارتفاع سعر المحروقات ومعه كلفة التخزين والتصدير.
بعد ثلاث سنوات من تراجع موسم التفاح بسبب المناخ والجفاف عاد الموسم وفيرًا هذه السنة، يشبه إلى حد ما موسم 2019، ليس موسمًا استثنائيًا كما يؤكد المزارعون لكنه واعد. فتحُ طريق البر للتصدير وفتح السوق السعودي أمام المنتجات اللبنانية، فتحَ طاقة أمل لتصريف بعض من موسم التفاح.
وزير الزراعة د. نزار الهاني يأمل في تنويع التصدير وعدم حصره بدولة واحدة، كما كان الأمر عام 2019، حين استوعبت مصر الجزء الأكبر من الإنتاج اللبناني. اليوم، تسعى وزارة الزراعة إلى توزيع الإنتاج بين خمس أو ست دول، ما يعني تصريفًا أوسع وسعرًا أفضل للمنتج وللمزارع اللبناني.
لكن الوزير يدرك جيدًا أن التحدي الأكبر الذي يواجه موسم التفاح اليوم يكمن في ارتفاع كلفة المازوت والبنزين، وبالتالي كلفة النقل والتبريد. ويشرح لـ"نداء الوطن" أنه جرت العادة على تصريف التفاح بتمهّل، حيث يُخزَّن أولًا في البرادات، ليتمّ شحنه تباعًا من أيلول وتشرين الأول حتى نهاية العام، وامتدادًا إلى شهر كانون الثاني. إلا أن الخطة هذا العام تتجه نحو محاولة تصدير أكبر كمية ممكنة بشكل مباشر، من دون الحاجة إلى تخزينها في البرادات، نظرًا إلى الارتفاع الكبير في كلفة التبريد، حيث تصل كلفة الصندوق الواحد إلى ما بين 4 و5 دولارات، وهو ما يعادل ثلث سعر التفاح أو ربما أكثر.
في هذا السياق، يشكو المزارعون من أنه، بين كلفة التوضيب في الصناديق البلاستيكية، واللفّ بالورق والحبال، وكلفة النقل والتخزين في البرادات، قد تصل كلفة كل صندوق تفاح إلى 8 دولارات، أي ما يعادل ثمنه، ما يجعل ربح المزارع صفرًا.
ويقول فريد رحمه، وهو أحد مزارعي التفاح في عيناتا، إن المزارع هو الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة تمتد منه إلى التاجر والمصدّر وصاحب البراد. لذلك، على الدولة دعم مزارع التفاح أولا، عبر تخفيف تكاليف الإنتاج من ريّ وسماد وأدوية ومبيدات، وحمايته من التجار والسماسرة، ودعم التعاونيات الزراعية في المناطق، ومعالجة كلفة التبريد بشكل خاص.
فمصير المزارع، في النهاية، ليس مرتبطًا بقدرته على الإنتاج، فأرضنا كريمة، كما يقول رحمه، والمطر جاء غزيرًا هذه السنة. لكن أزمة التفاح لا يمكن تحميلها لطرف واحد، وسلسلة التسويق كلها معنية، ومصيرنا مرتبط بقدرة الحكومة على تصريف الإنتاج لتأمين استمرارية هذا القطاع الذي يعاني منذ سنوات عدة، ولجم جشع التجار وأصحاب البرادات.
التصدير طاقة أمل
استهلاك السوق اللبنانية من التفاح، بحسب أرقام وزارة الزراعة، لا يبلغ إلا 80 إلى 100 طن يوميًا، أما التصدير فقد وصل، في بعض المراحل، إلى نحو 2000 طن يوميًا. وكانت مصر تحتل المركز الأول، مع استيرادها ما يقارب 80% من التفاح اللبناني.
ولكن إلى أي مدى يمكن للتفاح اللبناني أن يعتمد على سوق واحدة؟ من هنا، يأتي السعي اليوم إلى توسيع الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يؤكد الوزير الهاني أنه قام بزيارة إلى العراق لبحث زيادة صادرات التفاح إلى السوق العراقية، والتقى بالمستوردين للسعي إلى معالجة بعض المشاكل بين المصدّر والمستورد، وأهمها المصاعب اللوجستية والتحويلات المالية، التي تقف صعوبتها عائقًا أمام تسهيل عملية التصدير وقدرة التجار اللبنانيين على تحصيل مستحقاتهم.
كما قام الوزير بزيارة إلى الأردن لهذا الغرض، وكشف لـ"نداء الوطن" عن خطة لزيارة ليبيا بعد أن فُتحت أسواقها أمام التفاح اللبناني.
وهنا لا بد من الإشارة إلى خطوة مهمة قدّمتها شركة الشحن CMA CGM، حيث قامت بتخفيض أسعار النقل البحري إلى ليبيا استجابةً لطلب المصدّرين، الأمر الذي يعزّز القدرة التنافسية للإنتاج اللبناني في الأسواق الخارجية، ويجعل القطاع الخاص سندًا للقطاع الزراعي.
وفي حديثه، أضاف الوزير الهاني أنه بصدد زيارة المملكة العربية السعودية منتصف هذا الشهر. وختم بالإشارة إلى مشاركته في اجتماع مرتقب في إسبانيا مع وزير الزراعة هناك، بالتزامن مع مشاركة لبنان في معرض عالمي كبير للتفاح ("Fruit Attraction" / "Fruit Logistica")، ضمن جهود تعزيز حضور الإنتاج الزراعي اللبناني في المحافل الدولية وتأمين أفضل الأسواق التصديرية له.
"من أرضنا لمائدتنا"
قطاع التفاح إذًا بحاجة إلى "دبلوماسية زراعية" فاعلة. فالتحدي لا يكمن في الانتاج وحده كما يؤكد الوزير بل في قدرتنا على تسويق المحصول وتصريفه في الوقت المناسب والحفاظ على جودته وتأمين استدامة الأسواق. وحماية موسم التفاح مسؤولية مشتركة بين الدولة والمزارعين والتجار والمصدّرين وأصحاب البرادات. "نشكر الله أن موسم التفاح الوفير هذه السنة تزامن مع فتح الطريق البري وفتح الأسواق السعودية، فلو جاء الموسم ذاته في السنة الماضية مع إقفال الأسواق لكان الأمر كارثيًا على المزارع لعدم قدرته على تصريف إنتاجه".
دخل رئيس الجمهورية جوزاف عون على الخط، وأجرى لقاءً مع وزير الزراعة لوضع آلية للتواصل مع الدول العربية بهدف تسهيل تصدير المنتجات الزراعية اللبنانية، وخصوصًا التفاح والعنب. أما وزير الصناعة والتجارة جو عيسى الخوري، فوصل من جهته إلى باب المجلس وهو يحمل كيسًا من التفاح البشراني، ووزّعه على الصحافيين الموجودين، في خطوة رمزية لدعم المزارعين والترويج لجودة الإنتاج المحلي، مشددًا على التخطيط المستمر لتأمين أسواق تصديرية له.
وزير الزراعة أطلق حملة تسويقية عبر الإعلام ومواقع التواصل ومع المؤثرين للتشجيع على استهلاك التفاح اللبناني، وذلك عبر فيديو ترويجي مؤثر، كما وجه بنفسه رسالة شخصية إلى كل هؤلاء يدعوهم فيها إلى الترويج للتفاح اللبناني وجعله حاضرًا بشكل يومي على صفحاتهم وفي يومياتهم لأن أي منشور أو صورة أو فيديو قد يصنع فرقًا حقيقيًا لمزارع وعائلة وقرية كاملة.
بالتصنيع تدوم المواسم
لكن يبقى السؤال المطروح: هل تكفي هذه الإجراءات لتصريف موسم وفير وتأمين الاستدامة لزراعة التفاح؟ في العالم أجمع، لم يعد المنتج الزراعي وحده الركيزة التي تعتمد عليها الزراعة، فالتصنيع الغذائي هو الحل الأمثل لتصريف فائض الإنتاج الزراعي.
وفي لبنان، حيث لا تستهلك السوق كل إنتاج التفاح، وحيث لا يزال التصدير ضعيفًا، يكتسب تصنيع التفاح وتحويله إلى منتجات غذائية أهمية كبرى. فبدل أن يتحول الفائض إلى خسارة للمزارع، يمكن تحويله إلى منتجات غذائية تحمل قيمة مضافة، قادرة على تأمين أسواق إضافية للمحصول، وتحقيق دخل إضافي للمزارع والمصنّع على حد سواء، وتحريك العجلة الاقتصادية.
استنادًا إلى تجارب واقعية في تصنيع التفاح، كان لـ"نداء الوطن" حديث مع السيد إيلي رزق، صاحب مصنع لإنتاج رقائق التفاح، وقد شرح أن هذا القطاع مهم جدًا، لكنه ليس مستغلًا بكامل طاقته. فالتصنيع قادر على تصريف أكثر من 50% من إنتاج التفاح، لكنه لا يشكّل اليوم إلا ما يقارب 10% فقط منه.
وحين نقول التصنيع، لا نعني به فقط صناعة المربيات أو العصائر، بل أيضًا أصنافًا جديدة غير مستغلة بعد، يمكن تصديرها إلى الأسواق الأوروبية والأميركية. ويكشف رزق عن مجموعة من منتجات التفاح المصنّعة، منها خلّ التفاح، ونبيذ التفاح، وحتى طحين التفاح، وهو طحين مرغوب جدًا في أوروبا لصناعة الحلويات، لأنه خالٍ من اللاكتوز، إضافة إلى رقائق التفاح التي تُستعمل بدل الشيبس العادي، وهي صحية جدًا ومقرمشة، ويمكن إضافة مختلف النكهات إليها. وهذه كلها تأتي لتكمل المنتجات المعروفة، مثل دبس التفاح والكومبوت وأطعمة الأطفال.
مجال التصنيع الغذائي من التفاح، إذًا، واسع ومفتوح على التصدير، لأن منتجاته مرغوبة، كما أنه يساعد المزارع على تصريف إنتاجه غير القابل للتسويق عبر البيع بالتجزئة عادةً بسبب عيوب في الشكل والحجم.
ويشرح رزق قائلًا إن سعر التفاح المخصص للتصنيع أقل من سعر التفاح المخصص للبيع، لذا لا يمكن حرمان المزارع من الربح المتأتي من البيع، ولكن يمكن دعمه من خلال شراء النوعية الأقل جودة، حتى لا يحصل أي هدر في إنتاجه، وبذلك يزداد ربحه ويزيد إنتاجه.
ولا بد من الإقرار اليوم بأن مزارعي التفاح قد حدّثوا أسلوب إنتاجهم، وباتوا يزرعون الأصناف المطلوبة في الأسواق الغربية، مثل تفاح "غراني" والتفاح الأميركي.
وتجربة تصنيع شيبس التفاح، وفق رزق، كانت تجربة ناجحة جدًا، وفتحت أسواق الخليج أمام هذا المنتج. ويقول إن المصنع، الذي توقف نتيجة أحداث الجنوب، كان يستهلك إنتاج ضيعة بأكملها من التفاح، ولو استمر لاحتاج إلى إنتاج عدة ضيع.
لبنان اليوم بحاجة إلى التكامل الزراعي والصناعي لمساعدته على الصمود في وجه العاصفة الاقتصادية والأمنية التي يمر بها، وتمر بها المنطقة. لكن القطاع الصناعي، بدوره، يشكو ويواجه تحديات لا تقل صعوبة عن تلك التي يواجهها القطاع الزراعي. وقد عبّر نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش، في حديث سابق، عن أن المازوت وحده يشكّل نحو 15 إلى 25% من كلفة الصناعات الغذائية، وأن ارتفاع كلفة الوقود والنقل يضغط على القطاعين الزراعي والصناعي معًا. فكلفة تشغيل المصانع ترفع أسعار المنتجات، ما يجعل قدرتها التنافسية في الأسواق العربية والأوروبية ضعيفة.
ختامًا، إن تشجيع الصناعات التي تعتمد على التفاح وغيره يحتاج إلى تأمين ظروف أمنية ومالية أكثر استقرارًا، وثبات في أسعار الطاقة والنقل، لتوفير استدامة حقيقية للقطاعين الزراعي والصناعي.