المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الجمعة 21 آب 2026 08:44:24
يطرح بيان وزارة الاتصالات الأخير حول 215 ألف جهاز خليوي غير مسددة رسومه الجمركية إشكالية تتجاوز تحصيل الرسوم إلى كيفية دخول هذه الأجهزة إلى السوق اللبنانية، والجهة التي كان يفترض أن تتحقق من جمركتها، والأسباب التي أبقتها عاملة على الشبكة سنوات، قبل أن يجد أصحابها أنفسهم أمام رسائل تطالبهم بتسوية أوضاعها.
أما المفارقة فتتعلق بأن "معالجة الخلل تبدو اليوم وكأنها تبدأ من الحلقة الأضعف، أي المواطن الذي يحمل الهاتف أو اشتراه من السوق، بعدما بقيت الأجهزة سنوات خارج منظومة التسجيل الجمركي أو غير مسددة الرسوم".
كيف اكتشفت القضية؟
فتح الملف جاء بعد استفسار من وزير المال إلى وزير الاتصالات حول تراجع الإيرادات المتأتية من هذا القطاع. عندها بادر وزير الاتصالات إلى فتح تحقيق، وبدأت تتكشف المعطيات التي أظهرت أن الدولة لم تكن تستوفي هذه الرسوم منذ عام 2019.
وبدأ اكتشاف الفروقات في سياق التدقيق في الأجهزة الجديدة، ولا سيما بعد بروز إشكالية مرتبطة بأجهزة "آيفون 17"، ما دفع وزارة الاتصالات إلى مقارنة أرقام الأجهزة العاملة على الشبكة مع البيانات المسجلة لدى مديرية الجمارك. وأظهرت المقارنة فروقات واسعة بين الأجهزة الموجودة فعلياً على الشبكة وتلك التي أبلغ عن دخولها إلى لبنان، قبل أن يتوسع التدقيق ليشمل سجلات تعود إلى عام 2019.
وتوضح مصادر في وزارة الاتصالات أن "الوزارة اكتشفت الفارق من خلال دورها التقني في الربط بين بيانات الشبكات والبيانات الجمركية"، وأن "الملف لم يكن مجرد خلل في عدد محدود من الأجهزة، بل أظهر فروقات كبيرة استدعت إحالة القضية إلى القضاء، توازياً مع تشكيل لجنة مشتركة تضم وزارة الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات ووزارة المال وإدارة الجمارك، بهدف تحديد حجم الفروقات والمسؤوليات.
شركات وأجهزة شخصية
ولا تعود الأجهزة الـ215 ألفاً كلها إلى شركات وتجار. فبحسب المعطيات، يشمل الملف أيضاً هواتف أدخلها أفراد اشتروا أجهزة من الخارج، فيما تكشف التحقيقات عن مخالفات في الاستيراد التجاري، بينها إدخال أجهزة حديثة والتصريح عنها على أنها أجهزة أقدم، واستخدام شركات وهمية.
ويؤكد وزير المال ياسين جابر أن "التركيز ينصب على الشركات التي تستورد مئات وآلاف الأجهزة وتصرح عنها بقيم لا تعكس أسعارها الحقيقية"، مشيراً إلى أن "الرسوم غير المحصلة قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، تبعا لنوع الأجهزة وقيمتها وعمرها".
كيف بقيت الأجهزة على الشبكة؟
يوضح الخبير الاقتصادي محمد شمس الدين أن الهاتف الذي يدخل لبنان من الخارج من دون تسديد رسومه الجمركية يفترض أن يعمل لمدة 3 أشهر، ثم يتوقف عن العمل على الشبكة إذا لم تتم جمركته.
فكيف استمرت أجهزة غير مجمركة في العمل لسنوات؟ يرى شمس الدين أن المسؤولية تتوزع بين أكثر من جهة، إذ تتحمل الجمارك مسؤولية استيفاء الرسوم وضبط دخول الأجهزة، فيما تتحمل وزارة الاتصالات مسؤولية أساسية في الجانب المتعلق بالسماح للأجهزة غير المجمركة بالعمل على الشبكة.
ولا تخلو قصة الآلية الحالية من بعد تاريخي يستدعي تدقيقاً مؤسسياً. فمصادر في قطاع الاتصالات تشير إلى أن ربط تشغيل الأجهزة بوضعها الجمركي اعتمد في إحدى المراحل داخل وزارة الاتصالات، وسط حديث آنذاك عن علاقة ونفوذ لأحد وكلاء أجهزة الخليوي داخل الوزارة.
ثم ألغيت الآلية في مرحلة لاحقة، انطلاقاً من أن تنظيم الرسوم الجمركية واستيفاءها ليسا من اختصاص وزارة الاتصالات، قبل أن تعود إلى العمل لاحقاً وسط حديث عن ضغوط مارسها الوكيل نفسه لإعادة اعتمادها.
صلاحيات متداخلة
وتعيد القضية إلى الواجهة مسألة الصلاحيات. فمصادر في قطاع الاتصالات تعتبر أن تحديد الرسوم الجمركية واستيفاءها هو اختصاص الجمارك حصراً، فيما يقتصر دور وزارة الاتصالات على الجانب التقني. ولذلك فإن مطالبة المشترك بتسديد رسم لم يستوفَ عند دخول الجهاز تطرح إشكالية في توزيع المسؤوليات.
أما مصادر وزارة الاتصالات فأوضحت أن الوزارة أعادت تصحيح مسألة إبلاغ المشتركين، بعدما تبين أن مطالبتهم بتسديد الرسوم ليست من صلب مهماتها. فالرسوم الجمركية تحديداً واستيفاءها ومتابعتها هي من اختصاص الجمارك، فيما يتمثل دور وزارة الاتصالات في الجانب التقني وربط بيانات الأجهزة بالشبكات والجهات المعنية.
وكانت وزارة الاتصالات تتولى سابقاً إدخال الرسوم التي يجب استيفائها إلى منصة خاصة تستخدمها "ليبانون بوست"، وهي منصة لا يطلع عليها المواطن مباشرة. وبدءاً من الأسبوع المقبل، فستتولى الجمارك أيضاً إدخال الرسوم إلى المنصة، لتصبح العملية بالكامل ضمن صلاحياتها.
من يدفع ثمن الخلل؟
ولكن السؤال عما إذا كان جزء أساسي من الخلل مرتبطاً بالمستوردين والتجار والتصاريح الجمركية، فلماذا يتحمل المواطن الذي اشترى الهاتف تبعاته؟ فالمواطن الذي يشتري جهازاً من متجر لبناني لا يفترض أن يكون قادراً على معرفة ما إذا كان المستورد قد صرح عنه بصورة صحيحة أو سدد الرسوم المتوجبة عليه. ولا يمكن ببساطة تحويل المستهلك إلى جهة رقابة على عملية الاستيراد والتخليص الجمركي.
تقول وزارة الاتصالات إن أصحاب الأجهزة المعنية سيطلب منهم تسديد الرسم الجمركي الأصلي من دون غرامات أو زيادات، وبالقيمة المعتمدة في حينه، فيما يعاد تفعيل الجهاز لمن يثبت أنه سبق أن سدد الرسوم.
لكن الخبير في ادارة الاتصالات جبران خوري يرى أن "الحل لا ينبغي أن يكون تحميل المشترك تبعات خلل في منظومة الدولة. فالمطلوب، في رأيه، العودة إلى قاعدة واضحة: الاتصالات للاتصالات، والجمارك للجمارك، واستيفاء الرسوم عند دخول السلعة إلى لبنان، لا بعد انتقالها إلى المواطن.
وطالب بإلغاء الإجراء بالكامل. "فهذا ليس دور وزارة الاتصالات ولا مسؤولية المشترك. الرسوم الجمركية شأن جمركي حصراً، ويجب أن تستوفى وفق الأصول عند دخول السلعة إلى لبنان، كما هو معمول به في الأنظمة السليمة".