3 تشرين الأول 1988... يوم أُقصي أمين الجميّل ودُفع المسيحيون ثمن صراع الزعامة

بعد ثمانية وثلاثين عاماً على 3 تشرين الأول 1988، لا تزال تلك المرحلة واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ المسيحي واللبناني الحديث. ليس لأنها شهدت عملية عسكرية فحسب، بل لأنها شكلت محطة أساسية في انتقال القرار داخل البيئة المسيحية من مرجعية سياسية تاريخية إلى موازين قوى جديدة، كان عنوانها الأساسي الصراع على من يملك القرار ومن يملك حق تمثيل المسيحيين.

وفي قلب هذه الصفحة يقف اسم الرئيس أمين الجميل، الذي لا يمكن قراءة تلك المرحلة بإنصاف من دون التوقف عند الغبن السياسي والتاريخي الذي لحق به.

فالرجل لم يكن مجرد رئيس سابق للجمهورية. كان رئيساً منتخباً وصل إلى سدة الرئاسة في أصعب الظروف، وتولى الحكم بعد اغتيال شقيقه الرئيس بشير الجميل، ثم أمضى ست سنوات في محاولة إبقاء الدولة اللبنانية قائمة وسط حرب وانقسامات واحتلالات وتدخلات إقليمية ودولية. وقد انتهت ولايته في 22 أيلول 1988.

لكن ما جرى بعد انتهاء ولايته لم يكن خروجاً طبيعياً من الحياة السياسية.

ففي الوقت الذي كان يفترض أن يحتفظ فيه الرئيس السابق بدور وطني، وجد نفسه خارج لبنان، بينما كان البيت المسيحي نفسه يدخل في صراع على الزعامة.

3 تشرين الأول... أكثر من عملية عسكرية

في 3 تشرين الأول 1988، تقدمت القوات اللبنانية وسيطرت على مواقع تابعة للقوة الموالية للرئيس أمين الجميل في المتن، بما فيها مواقع في منطقة بكفيا. وتؤكد تقارير صحافية معاصرة أن العملية تمت من دون معارك واسعة، لكنها انتهت عملياً بإزالة القوة المرتبطة بالجميل من المعادلة، وأصبحت القوات اللبنانية القوة العسكرية المسيطرة في المنطقة المسيحية.

الأخطر من الحدث العسكري كان معناه السياسي. فقد جرى إضعاف قوة مرتبطة بمرجعية سياسية تاريخية، في وقت كانت فيه الساحة المسيحية تشهد منافسة متصاعدة بين أنصار أمين الجميل والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع والجيش بقيادة العماد ميشال عون.

وهكذا لم يعد السؤال: كيف نحمي لبنان؟ بل بدأ يتحول إلى: من يقود المسيحيين؟ وكان ذلك السؤال بداية الكارثة.

الغبن الذي لحق بأمين الجميّل

من أكثر المظالم التي لحقت بالرئيس أمين الجميل أن تجربته السياسية جرى اختزالها لاحقاً في خلافاته مع القوات اللبنانية أو في بعض قرارات عهده، بينما جرى تجاهل الظروف الاستثنائية التي حكم فيها.

لقد تسلّم الرئاسة بعد اغتيال شقيقه بشير الجميل، في بلد ممزق وتحت الاحتلال الإسرائيلي والتدخل السوري، وفي ظل وجود قوى مسلحة متعددة، ثم وجد نفسه في مواجهة أسئلة كبرى حول مستقبل الجيش والدولة والعلاقات الإقليمية.

ومع ذلك، فإن ما حدث بعد انتهاء ولايته كان أشد قسوة. ففي الوقت الذي كان يفترض أن يحتفظ فيه الرئيس السابق بدور وطني، جرى تجريده من جزء أساسي من قوته السياسية على الأرض.

وهنا تحديداً ينبغي إنصاف الرجل. أمين الجميل لم ينسحب من لبنان لأنه تخلى عن قضيته، بل وجد نفسه أمام واقع سياسي وأمني لم يعد يسمح له بممارسة دوره بصورة طبيعية. والفارق كبير بين من يترك الساحة طوعاً، ومن يُدفع إليها دفعاً.

من شراكة القضية إلى صراع الزعامة

المأساة أن الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية لم تكونا تاريخياً مشروعين متناقضين في الأساس. كان يجمعهما تاريخ طويل من النضال والدفاع عن سيادة لبنان ورفض الهيمنة الخارجية والحفاظ على الكيان اللبناني.

لكن بعد اغتيال بشير الجميل، دخلت العلاقة بين قيادة الكتائب والقوات مرحلة شديدة التعقيد. ثم جاءت انتفاضة 1985، والخلاف حول استقلالية القوات عن حزب الكتائب، وبعدها إسقاط إيلي حبيقة واتفاقه الثلاثي عام 1986، لتصبح القوات بقيادة سمير جعجع أكثر استقلالاً وقوة وتنظيماً.

ومن هنا بدأ الانقسام الحقيقي: هل تكون القوات ذراعاً عسكرية ضمن المشروع السياسي الكتائبي، أم قوة سياسية وعسكرية مستقلة تنافس الحزب على القرار المسيحي؟

كان هذا السؤال جوهرياً، وكانت الإجابة التي فرضتها الأحداث كارثية. فبدلاً من قيام توازن بين الكتائب والقوات، انتقل الطرفان إلى منافسة على المرجعية. وبدلاً من أن يكون التنوع مصدر قوة، أصبح سبباً للصدام.

عون يدخل على خط الزعامة

في المقابل، كان العماد ميشال عون يبني لنفسه موقعاً متقدماً داخل المعادلة المسيحية. قائد الجيش لم يعد يريد أن يكون مجرد قائد للمؤسسة العسكرية؛ فمع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، أصبحت له طموحات سياسية واضحة في البيئة المسيحية.

وهكذا أصبح المشهد أمام ثلاث مرجعيات: رئيس سابق له شرعية سياسية وتاريخ حزبي عريق، وقائد للقوات يملك قوة عسكرية وتنظيماً واسعاً، وقائد للجيش يمتلك مؤسسة عسكرية وطموحاً سياسياً. وكانت القاعدة التي يتنافس عليها الجميع هي المجتمع المسيحي.

الخطأ الاستراتيجي الأكبر

ليس الخطأ في أن يتنافس السياسيون، فالسياسة تقوم على التنافس. الخطأ كان في تحويل التنافس إلى صراع على إلغاء الآخر.

ففي 3 تشرين الأول جرى إضعاف قاعدة أمين الجميل، وبعدها دخل عون وجعجع في مواجهة انتهت إلى حرب داخلية مسيحية عام 1990.

وهنا ارتُكبت أكبر جريمة سياسية واستراتيجية بحق المجتمع المسيحي. فبدلاً من توحيد القوى في مواجهة الاحتلالات والتدخلات الخارجية، تحولت البنادق إلى الداخل.

لم تكن النتيجة انتصاراً مسيحياً. كانت النتيجة تدميراً للقدرات، ونزوحاً وهجرة، وانقساماً، وإضعافاً للوجود المسيحي، ثم سقوطاً تحت الوصاية السورية.

حرب الإلغاء... عندما قاتل المسيحيون أنفسهم

في 1990 انفجرت الحرب بين الجيش بقيادة عون والقوات اللبنانية بقيادة جعجع. وهنا تحولت المنافسة إلى مواجهة عسكرية داخلية استنزفت المجتمع المسيحي بصورة قاسية، في وقت كان لبنان لا يزال يعيش تحت تأثير الاحتلالات والتدخلات الخارجية.

وفي 13 تشرين الأول 1990 انتهى مشروع عون العسكري في مواجهة الجيش السوري، وغادر إلى المنفى، بينما دخلت القوات اللبنانية لاحقاً مرحلة جديدة من المواجهة مع النظام السوري وانتهت إلى اعتقال جعجع وحل القوات.

وهكذا خسر الطرفان. وخسر المسيحيون معهما. وخسر لبنان.

من يتحمل مسؤولية المأساة؟

التاريخ الجدي لا يبحث عن كبش فداء واحد. لكن التاريخ العادل يستطيع أن يقول بوضوح إن إقصاء أمين الجميل لم يكن خطوة أنتجت استقراراً مسيحياً، بل كان جزءاً من مسار أوسع أدى إلى تفكيك التوازن داخل البيئة المسيحية.

كما يستطيع أن يقول إن تحويل المنافسة بين عون وجعجع إلى حرب داخلية كان خطأً استراتيجياً بالغ الكلفة.

ولا يحتاج إنصاف أمين الجميل إلى شيطنة كل خصومه. فالإنصاف لا يعني الانتقام، والدفاع عن الرجل لا يعني إنكار أخطاء الآخرين، بل يعني وضع كل طرف أمام مسؤوليته التاريخية.

أمين الجميل... الرجل الذي دفع ثمن موقعه

قد يختلف اللبنانيون حول سياسات الرئيس أمين الجميل، وهذا حق سياسي مشروع. لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى محو لتاريخه أو إنكار للظروف التي واجهها.

لقد دخل قصر بعبدا بعد اغتيال شقيقه، وحكم في واحدة من أكثر مراحل لبنان دموية وتعقيداً، وحاول أن يحافظ على الدولة في زمن كانت فيه الدولة تتآكل.

وحين انتهت ولايته، لم يدخل في حرب لاستعادة موقعه، بل اختار الابتعاد عن لبنان في مرحلة كان يمكن فيها لأي مواجهة جديدة أن تفتح باباً إضافياً للدمار. ويمكن قراءة ذلك، من زاوية سياسية، باعتباره رفضاً لتحويل الخلاف على السلطة إلى حرب جديدة داخل المجتمع المسيحي.

وهنا تكمن مفارقة تاريخية تستحق الإنصاف: قد يكون أمين الجميل خسر موقعه السياسي، لكنه تجنب أن يجعل خسارته سبباً لحرب جديدة.

الدرس المسيحي واللبناني

بعد 38 عاماً، لا ينبغي أن يكون الهدف إعادة إنتاج العداء بين الكتائب والقوات أو بين العونيين والقواتيين. المطلوب هو فهم الدرس.

فالمجتمع المسيحي لا يحمي وجوده بإقصاء حزب، ولا يحافظ على دوره بإلغاء زعيم، ولا يستعيد الدولة عبر السلاح الداخلي، ولا يستطيع أن يجعل من الرئاسة أو الحزب أو الجيش ملكية خاصة لأي فريق.

لقد أثبتت السنوات التي تلت 1988 أن احتكار التمثيل المسيحي لا يصنع قوة مسيحية، بل يخلق خصومات داخلية تستنزف الجميع. وكان الثمن باهظاً: هجرة، وانقسام، ودمار، واغتيالات، ووصاية، وتراجع في الحضور السياسي والوطني.

3 تشرين الأول... ذكرى إنصاف لا ذكرى انتقام

بعد كل هذه السنوات، آن الأوان لقراءة 3 تشرين الأول 1988 بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.

إنصاف أمين الجميل لا يعني إدانة التاريخ كله باسم الكتائب. وإنصاف الكتائب لا يعني إلغاء القوات. وإنصاف القوات لا يعني تبرئة كل قراراتها. وإنصاف عون لا يعني تبرئة كل خياراته.

لكن الحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها هي أن المسيحيين دفعوا ثمناً باهظاً عندما تحولت المنافسة السياسية إلى معركة لإلغاء الآخر. وكان أمين الجميل أحد أبرز الذين دفعوا ثمن تلك المرحلة.

من هنا، فإن إعادة الاعتبار إلى دوره ليست محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل محاولة لإنصاف رجل كثيراً ما قُرئت تجربته من زاوية خصومات المرحلة، فيما تستحق تجربته أن تُقرأ أيضاً من زاوية الدولة والمؤسسات والاعتدال السياسي ورفض تحويل المجتمع المسيحي إلى ساحة حرب داخلية.

لقد علّمنا التاريخ أن لبنان لا يحتاج إلى قائد يلغي الآخرين، ولا إلى حزب يحتكر المسيحيين، ولا إلى قوة عسكرية تفرض نفسها مرجعية سياسية. لبنان يحتاج إلى دولة، والمسيحيون يحتاجون إلى تعددهم، والكتائب والقوات وسائر القوى المسيحية تحتاج إلى أن تتذكر أن اختلافها يمكن أن يكون مصدر غنى، لا سبباً للحرب.

أما أمين الجميل، فيستحق أن يُقرأ تاريخه بإنصاف، بعيداً عن الخصومة التي أحاطت به، وبعيداً عن الأحكام التي صدرت في زمن كانت فيه البنادق أعلى صوتاً من المؤسسات.

فالتاريخ لا ينصف الأقوى في لحظة معينة، بل ينصف من يستطيع، بعد انقضاء العاصفة، أن يُنظر إلى تجربته بعيداً عن ضجيج السلاح.

وفي ذكرى 3 تشرين الأول، ربما يكون أهم ما يمكن قوله هو: لقد خسر المسيحيون كثيراً عندما خسروا أمين الجميل من معادلة التوازن، وخسروا أكثر عندما انتقل الصراع بعده من التنافس السياسي إلى حرب عون والقوات.

أما الدرس الذي يجب ألا يضيع، فهو أن إقصاء الآخر داخل البيت الواحد لا يصنع زعامة، بل يفتح الطريق أمام سقوط البيت كله