4 حاويات نفطية تستحضر ثقل الانفجار... لماذا بقيت الشحنة منذ 2024؟

ما إن يُذكر مرفأ بيروت حتى يمثل مشهد الرابع من آب 2020 بكل ثقله ومآسيه. لحظة الانفجار التي مزقت المرفأ ومحيطه، وامتد دويّها إلى قلب العاصمة، فخلفت واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان والعالم في التاريخ الحديث. 

منذ ذلك اليوم، باتت أي مادة قابلة للاشتعال داخل المرفأ تُستقبل بحذر مضاعف، لأن مجرد وجودها في هذا المكان يستحضر سريعا مشهد العاصمة وهي تتلقى واحدة من أعنف الضربات في تاريخها. لذا، لم يكن ملف المستوعبات الأربع التي احتوت مواد نفطية شديدة الاشتعال، تستخدم عادة في صناعة الدهانات والمواد المرتبطة بها، مجرد قضية شحن عادية، رغم أن هذا النوع من المواد ليس استثنائيا في القطاع الصناعي. فالإشكال لم يكن في وجودها بذاته بقدر ما ارتبط بطبيعتها الخطرة، وببقائها داخل المرفأ منذ عام 2024، وبما أثير حول عدم مطابقتها للمواصفات وتسربها من الحاويات. 

فقد أعلنت المديرية العامة لأمن الدولة أنها منعت "كارثة محتمة" في مرفأ بيروت، بعدما نجحت في إجلاء مواد نفطية شديدة الاشتعال وإعادة تصديرها إلى خارج البلاد. وأوضحت أنها تلقت معلومات من إدارة المرفأ عن وجود 4 مستوعبات على أحد الأرصفة منذ عام 2024، تحتوي على مواد نفطية سريعة الاشتعال وغير مطابقة للمواصفات. وبحسب الرواية الأمنية، أظهر الرصد الميداني ارتشاحا وتسربا لهذه المواد على أرض المرفأ، في ظل عدم تجاوب صاحب البضاعة مع طلبات المعالجة، ما استدعى تدخلا قضائيا وأمنيا سريعا.

شحنة عالقة منذ 2024
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن أصل القضية يعود إلى تشرين الأول 2024، حين دخلت الشحنة إلى لبنان. وبحسب المعلومات، كانت المواد عائدة إلى شركة تعمل في مجال الدهانات في المنطقة الصناعية في الشويفات، إلا أن خبراء الجمارك الذين كشفوا عليها تبين لهم أنها غير مطابقة للمواصفات، فجرى حجزها وتغريم صاحبها مبلغ 40 ألف دولار. ومنذ ذلك الحين، بقيت المستوعبات داخل المرفأ، إلى أن عادت القضية إلى الواجهة مطلع عام 2026 بعدما اكتشفت إدارة مرفأ بيروت وجود 4 حاويات على الرصيف الرقم 8، يبلغ حجم كل منها 20 قدما، وكانت تتسرب منها مواد شديدة الاشتعال.

وعلى الفور، جرى عزلها في منطقة آمنة ومنفصلة عن بقية مناطق العمل، واتخذت الإجراءات الوقائية اللازمة، توازيا مع التواصل وأصحاب الحاويات لمعالجة الوضع، سواء عبر إعادة توضيب المواد أو إخراجها من المرفأ. لكن غياب التجاوب دفع إدارة المرفأ إلى اللجوء إلى أمن الدولة، الذي أحال الملف على النيابة العامة التمييزية، ففُتح تحقيق واستدعي صاحب البضاعة والمخلص الجمركي وممثل عن إدارة المرفأ لتحديد المسؤوليات.

وبناء على الإشارة القضائية، ألزم صاحب المواد إعادة توضيبها على نفقته الخاصة في شكل آمن ومطابق للمواصفات، وألزم تسديد الرسوم المتوجبة لإعادة تصديرها بصورة قانونية. وبحسب أمن الدولة، أنجزت المهمة بنجاح في 4 حزيران، حين أعيد تحميل المستوعبات الأربعة على متن إحدى البواخر بعد توضيبها وفق معايير السلامة الدولية، وغادرت الباخرة المرفأ لإعادة تصدير المواد من حيث أتت. 

النفّي: عزل فوري 
رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمرفأ بيروت مروان النفّي أوضح لـ"النهار" أن "إدارة المرفأ تعاملت مع الملف فور كشفه، فعزلت الحاويات في منطقة منفصلة وآمنة، وأقفلت محيطها منعا لأي خطر محتمل، كما عالجت السوائل المتسربة منها وفق الأصول الفنية المعتمدة".

وأشار إلى أن إدارة المرفأ تواصلت مع أصحاب العلاقة أكثر من مرة طالبة منهم الحضور ومعالجة الوضع، إلا أنهم لم يتجاوبوا، مرجحا أن يكون ذلك بسبب الرسوم والأرضيات والغرامات التي ترتبت عليهم مع مرور الوقت، ما دفعهم إلى ترك الشحنة من دون معالجة. ومع استنفاد إدارة المرفأ الإجراءات التي يمكنها اتخاذها، جرى طلب تدخل أمن الدولة، باعتباره الجهة التي تملك صلاحيات أوسع في هذا النوع من الملفات، ولا سيما بعد التواصل مع النيابة العامة التمييزية التي منحت أصحاب العلاقة مهلة 20 يوما لمعالجة الوضع.

ولفت إلى أن الملف استغرق أقل بقليل من شهر ونصف شهر منذ لحظة رصد الحاويات، ومعرفة طبيعة المواد المتسربة منها، وعزلها، ثم التواصل مع أصحاب العلاقة، وصولا إلى توضيبها وترحيلها. وشدد على أن التسرب لم يتسبب بأي حادث خطر، إذ جرى رصده منذ بدايته عبر الدوريات الدائمة التي ينفذها ضابط أمن المرفأ بين الحاويات والأرصفة والساحات، فتمت معالجته فورا قبل تفاقمه، معتبرا أن ما حصل يندرج ضمن الحالات التي قد تقع في أي مرفأ في العالم. لكنه شدد في المقابل على أن الفارق اليوم يكمن في تشديد تطبيق معايير السلامة والأمن داخل المرفأ، بما يتيح التقاط المخاطر ومعالجتها بسرعة أكبر.

ما معنى "غير مطابقة للمواصفات"؟
في موازاة الرواية الأمنية والإدارية، تضع مصادر صناعية القضية في إطارها التقني. فصناعة الدهانات، وفق ما قالت لـ"النهار"، تقوم أساسا على مواد نفطية ومذيبات قابلة للاشتعال، تعرف باسم "المذيبات "(Solvents)، وهي مواد تستخدم في إذابة الدهان ومكوناته، وبعضها سريع الاشتعال جدا. من هنا، فإن وجود مواد من هذا النوع في شحنة مخصصة لقطاع الدهانات ليس أمرا استثنائيا بذاته.

ولكن، وفق المصادر عينها، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في طبيعة المواد فقط، بل في سبب اعتبارها "غير مطابقة للمواصفات". فالمقصود "قد يكون خللا في التوضيب، أو في شروط التخزين، أو في طريقة التصريح عنها جمركيا، أو في المواصفات الفنية للحاويات نفسها، لا بالضرورة في المادة بذاتها".

وتشدد المصادر على أن "التمييز بين هذه الاحتمالات أساسي، لأن التعامل مع مادة ممنوعة يختلف عن التعامل مع مادة مسموح بها ولكن جرى استيرادها أو توضيبها بصورة مخالفة".