51 عامًا على شرارة حرب الـ 15 عامًا: الاقتتال الداخلي ولّى ومعركة اللبنانيين اليوم لاستعادة الشرعية

كان يفترض أن "نذكرها كي لا تعاد". هذا ما عوّل عليه اللبنانيون منذ اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية، أقلّه ميدانيًا، عندما ربط السلاح بشرعية الدولة في العام 1990. ولكن بعد 51 عامًا على حرب الـ 1975 وشرارتها التي انطلقت في 13 نيسان، لا يبدو هذا التاريخ استعادة لذكرى تعلّم منها اللبنانيون، بقدر ما لا يزال يشكّل تذكيرًا دائمًا بالأسباب التي أدّت إلى تكرارها، ولو بأشكال مختلفة.

في غمرة لحظة وجدانية يعانيها اللبنانيون الذين تعبوا من تكرّر الحروب بوطنهم وعليه، تداول البعض مؤخرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اختبارًا يفصّل سجل الحروب التي عايشوها منذ العام 1975. فصُدم جيل كامل ممّن ولدوا في تلك الحرب، أن أكثر من ستين بالمئة من سنوات عمرهم مضت في حروب متكرّرة، والحبل قد يبقى على الجرّار.

فمنذ نصف قرن وعام، يبدو لبنان في مسار عنف متدرّج ومتحوّل، ولكنه لا ينقطع. من حرب على هوية الدولة ومن يحكمها، إلى حرب الآخرين على الأرض اللبنانية، وصولًا إلى التورّط في حروب إقليمية، ومن ثم محاولة فرض هيمنة الإرادات الخارجية.

أمّا القاسم المشترك بين كل تلك الجولات، فلا يزال في غياب الدولة، وعدم احتكارها قرار الحرب والسلم. وهذا ما جعل لبنان يدفع تكرارًا كلفة الفراغ الباهظة.

طبول افتعال حرب أهلية؟

في الأجواء مؤخرًا قرقعة تصريحات تعلو أحيانًا فوق أصوات الغارات الإسرائيلية وروائحها العابقة بالموت، تعيد توتير أجواء مشحونة أساسًا بالقلق، وتجعل اللبنانيين يمسكون قلوبهم وهم يراقبون تداعيات حرب كتب عليهم أن يدفعوا ثمنها، من دون أن يكون لهم خيار في افتعالها.

يخوض هذه المغامرات "حزب اللّه" اللبناني، الذي بعد تورّطه بحرب إسناد غزة، ها هو اليوم يستميت في إسناد إيران، بموجة ثانية من حرب مستمرّة منذ العام 2023، وأقلّ ما يقال فيها إنها تجاوزت حدود الدولة وإرادتها. فقدّمت بيئتها أضاحي على مذبح محور خارجي، ومستعدّة لترهن كلّ اللبنانيين أيضًا لتحقيق مصالحها الإقليمية.

لو طبّق الطائف!

ما يجري اليوم يضيء مجدّدًا على حقيقة لا لبس فيها. لم تتمكن "الدولة" بعد اتفاق الطائف من احتكار كل السلاح ووضعه تحت شرعيتها. بل تسلّل البعض عبر مبدأ الشراكة الشكلية التي أرساها الاتفاق، لتمرير مخطّطاته في الإبقاء على منطق الحماية الذاتية. فتحكّم بالسلاح واستفرد به، وفرض معه توازناته الخاصة على حساب بناء الدولة القادرة، وأبقى نزعه ملفًا مؤجّلًا، بدلًا من أن يكون أولوية سيادية.

بالطبع شكّلت الوصاية السورية المفروضة على الداخل رافعة لهذا الواقع الشاذ، وقدّم له الاحتلال الإسرائيلي مبرّرًا كافيًا. إلى أن أصبح هذا السلاح العامل الوحيد الذي يعيد إنتاج الحرب ويمنع الانتقال إلى السلام، أقلّه منذ العام 2006 وحتى اليوم.

من ورّط سلاح التحرير في مغامراته؟

بعد الطائف، شهد لبنان حدثًا مفصليًا على أثر انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، وانتهاء الاحتلال لأراضيه الجنوبية، والذي استمرّ منذ العام 1982.

ولكن بدلًا من الاستثمار في لحظة الإجماع الوطني حول هذا الإنجاز التاريخي، تحوّل "سلاح التحرير" عنصر ضغط في فرض المعادلات السياسية، فسقط حاملوه في محاذير التسبّب في توترات داخلية، وخصوصًا عندما ورّطوا سلاحهم بوظائف إقليمية.

في العام 2006 كانت غلطة الشاطر الكبرى. تفرّد "حزب اللّه" بالقرار من خلال عملية خطف جنديين إسرائيليين على حدود لبنان الجنوبية، فاستجرّ لكل لبنان حربًا مدمّرة استمرّت 33 يومًا، شملت البنى التحتية كما الفوقية، إلى جانب ما حصدته من أرواح بشرية.

إذا حاولنا قراءة عملية تموز بتاريخ اليوم مع مقارنتها بما أعقبها لاحقًا، كان يفترض أن تشكّل أيضًا درسًا يمنع التورّط بحروب غير محسوبة النتائج. أقلّه ترجمة لما قاله الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصراللّه حينها: " لو كنت أعلم أن عملية الأسر ستؤدي إلى هذه الحرب، لما أقدمت عليها".

غير أن التجربة لم تكن كافية على ما بدا لتردع مغامرات "المحور" اللاحقة، لا في "غزة" ولا في "لبنان". وفي الجبهتين اللتين فتحتا بالوكالة عن إيران منذ العام 2023، تبدو الأثمان غالية، وخصوصًا من أرواح المدنيين الذين قتلوا من دون ذنب.

تبدّل الأولويات: من حماية الأرض إلى حماية السلاح

في المقابل، أمعنت تجربة لبنان مع جولة تموز 2006، في كشف الاختلال في بنية الدولة وفقدانها السيادة في قرار الحرب والسلم. فمن بعدها بدت وظيفة السلاح الخارج عن الإرادة الشرعية، أن يحمي نفسه. وهذا ما حوّله أداة سياسية موضعية، استخدمت في اشتباكات محدودة، وفي توجيه الرسائل الداخلية بالنار، وإعادة رسم التوازنات عند الحاجة. وعليه بقيت الحروب في لبنان بحلقة متواصلة.

تذرّع "حزب اللّه" لعدم تسليم سلاحه منذ ما بعد تحرير الجنوب في العام 2000، بأن الدولة وجيشها غير قادرين على حماية "الأرض" كما يفعل بقوّته. فجاءت أحداث نهر البارد في العام 2007 لتحسم الجدل حول قدرة الجيش على مواجهة السلاح غير الشرعي، وخصوصًا متى حظي بالدعم السياسي والشعبي الواسع.

شبح 7 أيار حاضر

إلّا أن أحداث 7 أيار التي تلتها في العام 2008 عادت لتطرح ورقة "السلاح غير الشرعي" ومخاطره على السلم الأهلي، وخصوصًا بعدما نُقل النقاش حوله من مستوى التوتر السياسي إلى الاستخدام فعليًا في الداخل.

ومنذ ذلك التاريخ، لا يزال شبح 7 أيار يحضر على اللبنانيين، تمامًا كذكرى الحرب الأهلية التي عاشوها طيلة 15 سنة.

صحيح أن المتاريس لم ترتفع على خلفية سقطة "حزب اللّه" الأخلاقية، ولكنها تحوّلت سدًّا نفسيًّا بين اللبنانيين، وخصوصًا بسبب ما كشفه تمسّك "الحزب" بسلاحه من خلل بنيوي، كرّس تفوّق الدويلة على الدولة.

حرب سوريا التي عرّت "حزب اللّه" استراتيجيًا

قبل حرب إسناد غزة، كان "حزب اللّه" قد تورّط في حرب إسناد نظام بشار الأسد في سوريا، فثبّت دوره العسكري غير الشرعي فيها، كجزء من شبكة صراعات إقليمية تتداخل فيها الجبهات والقرارات.

بدّد تدخل "الحزب" في تلك الحرب مفعول الجغرافيا التي تفصل لبنان عن سوريا، فسمح بتسرّب تداعياتها إلى الداخل اللبناني. ومع ذلك، أثبت الجيش من خلال معركة "فجر الجرود" التي خاضها لمنع تسرّب الإرهاب من بوابة "عرسال" البقاعية، قدرة الشرعية على ردّ المخاطر عن لبنان، ومجدّدًا متى توفرت الإرادة السياسية.

هذا في وقت خرج "حزب اللّه" وسلاحه غير الشرعي من حرب سوريا، مكشوفًا أمنيًا أمام إسرائيل، وقد حمى سلاحه بذريعة مقاومتها، قبل أن يعرّى لاحقًا من العمق الإقليمي الذي كان يوفره له نظام بشار الأسد.

حروب الوساطة القاتلة

قبل أن يسقط الأسد، كرّس تورّط "الحزب" في حرب إسناد غزة، التحوّل الأوضح في وظيفة سلاحه. فالحرب لم تنطلق من اعتداء إسرائيلي على الداخل اللبناني، بل من قرار إسناد لمعركة بدأها الوسيط الإيراني الموازي لـ "حزب اللّه" في غزة أي"حماس". ومع ذلك قرّر "حزب اللّه" أن يفرّط بلبنان، وحتى ببيئته، وجعلهما منصّة مواجهة، وجبهة ضغط.

كان يفترض بهذه المغامرة أن تشكّل أيضًا درسًا آخر لعدم التدخل في حروب الآخرين، أو استدراج العنف للبنان، خصوصًا بعدما خرج منها "حزب اللّه" بلا أمينه العام "الأيقونة" وخسر عددًا كبيرًا من قيادييه، إلى جانب ما خلّفته مغامرته من ضحايا بالآلاف في صفوف المدنيين وممتلكاتهم.

وقد عوّل اللبنانيون بأن تكون قساوة هذه الحرب، وخصوصًا بسبب ما رافقها من موجات نزوح غير مسبوقة، فرصة لقلب صفحة الحروب المتكرّرة، ولاستعادة قوّة الدولة من خلال خطاب قسم لرئيس الجمهورية، مدّ فيه اليد "للحزب" كي يكون شريكًا في استعادة الشرعية واتخاذ القرارات السيادية.

ولكن حسابات "حزب اللّه" تبيّن مجدّدًا أنها لا تتوافق مع حسابات الشرعية. وها هو لبنان اليوم يغرق في تداعيات قرار فتح عليه باب حرب جديدة، لم تنطلق أيضًا من أولويات داخلية، بل من ارتباط بصراعات إقليمية، ولكنها تستمرّ بحصد أرواح لبنانية، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي وبأي ثمن.

خيطوا بغير مسلّة: الحرب الأهلية لن تعاد

إذًا ليس صحيحًا أن الحرب "الأهلية" في لبنان لم تنتهِ. فاللبنانيون سئموا هذه الحرب وخرجوا منها بقناعة تامة أن حقوق كلّ لبناني لا تصان إلّا ببسط سلطة الدولة على كلّ الأرض اللبنانية.

إلّا أنه في حين تبرز محاولة الشرعية اليوم، وبالتزامن مع إحياء الذكرى 51 لانطلاقة شرارة الحرب الأهلية، لاستعادة قرار السلم أقلّه، طالما أن عودها لم يقو بعد لردع من قرّروا الحرب بالوكالة، إذا بها تواجه بعدائية تحاول أن تحوّل سعي "الشرعية" شرارة جديدة لحرب أهلية.

ومع ذلك لا تبدو هذه الحرب، أقلّه كما أثبتت التجارب الآنية، تعبيرًا عن طبيعة الأكثرية. بل أثبت اللبنانيون، أنهم يتقدّمون بإنسانيتهم على انقساماتهم، وأن تضامنهم يتفوّق على نزاعاتهم. وقرار إيواء اللبناني للبناني خلال جولتي الحرب الأخيرتين، وقبلهما في العام 2006، أثبت بأن هذا خيار إنساني ووطني، أيًا كانت الاختلافات السياسية بين اللبنانيين.

المغامرة الشرعية المنتظرة

وعليه، فإن المطلوب بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين، هو الكف عن العبث بهذه القيم، أو عن التسويق لسرديّات تعيد إنتاج العنف كخيار. ليس لأن اللبنانيين سئموا الحرب فقط، إنما أيضًا لأنهم باتوا مقتنعين بأن زمن التضحية ببلدهم لمصالح خارجية قد ولّى. وأن الدولة، بكامل إرادتها السياسية ووعيها، وبدعم من المجتمع الدولي، ستتمكن من فرض شرعيتها على كامل الأراضي اللبنانية، بدءًا بوضع كل سلاح على الأراضي اللبنانية تحت إمرة جيشها.

وعليه، قد لا تكون مخاوف اللبنانيين اليوم من أن تتجدّد الحرب الأهلية ومآسيها كما يحاول البعض أن يشيع، بقدر ما هم قلقون من ألّا تكمل الدولة مهمتها في وقف آلة القتل بالكلمة إن لم يكن بالسلاح. هذه الآلة التي حصدت في جولتي الحرب الأخيرتين نحو عشر ما حصدته الحرب "الأهلية" في 15 سنة وفقًا لأرقام غير رسمية، فخسر لبنان نتيجة المغامرة غير الشرعية بقرارات الحرب الإجماع الوطني حول ذكرى التحرير، كما خسر الأرض، ولا يزال هناك من يرى في السلاح غير الشرعي حماية للبنانيين.