60 يومًا بلا اتفاق.. إيران تعيد ترتيب جبهاتها وتستعد لـ"العاصفة"

تنتهي اليوم الاثنين مهلة الـ60 يوماً المحددة بموجب "مذكرة تفاهم إسلام آباد" بين أميركا وإيران، لتدخل منطقة الشرق الأوسط والمصالح الدولية منعطفاً أمنياً يهدد بانهيار المظلة السياسية الهشة والعودة الشاملة إلى خيارات المواجهة العسكرية المفتوحة.

وكشفت مصادر دبلوماسية غربية اطلعت على تقارير استخبارية عن رصد تحركات عسكرية غير عادية داخل الأراضي والمياه الإقليمية الإيرانية خلال اليومين الماضيين.

وأشارت المصادر لـ"إرم نيوز" إلى أن التقارير الاستخبارية تضمنت معلومات عن تلقي الجيش الإيراني والحرس الثوري أوامر مباشرة برفع درجة الجاهزية القتالية إلى مستويات قصوى، شملت إعادة نشر وحدات النخبة وتجهيز المنظومات الدفاعية والهجومية في مناطق جغرافية استراتيجية وحساسة في مختلف أنحاء إيران.

وأفادت المصادر بأن صور الأقمار الصناعية وبيانات التتبع الميداني أظهرت أيضاً أن القوات البحرية الإيرانية، بنوعيها التابع للجيش والنظامي التابع للحرس الثوري، بدأت مناورات لتحريك سريع لقطعها البحرية وزوارقها السريعة الهجومية في مياه الخليج وبحر عمان ومحيط مضيق هرمز.

وتزامن التحرك الإيراني البحري مع رصد عمليات نقل لوجستية وتجهيز لشبكات الألغام البحرية التكتيكية والطوربيدات الذكية، مما يشي بنوايا واضحة لفرض وقائع ميدانية جديدة إذا قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها استئناف تدابير الخنق والاعتراض البحري للشحنات التجارية الإيرانية مع حلول الساعات القادمة.

ويأتي النشاط البحري الإيراني ليسلط الضوء على تباين استراتيجي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط العسكرية بواشنطن في وقت سابق؛ فبينما أعلن الرئيس دونالد ترامب مراراً عن نجاح القوات الأمريكية في تدمير القوة البحرية الإيرانية التقليدية خلال مواجهات فبراير/شباط الماضي، إلا أن تقارير الاستخبارات أكدت أن خطر "البحرية غير المتناظرة" التابعة للحرس الثوري لا يزال قائماً.

"مدن الصواريخ" الإيرانية تحت الأرض

وتعتمد طهران في مناوراتها الحالية على مئات الزوارق السريعة الصغيرة، والمسيرات الانقضاضية، والمنصات الصاروخية المتنقلة المخفية في الكهوف الساحلية، وهي أسلحة تكتيكية أفلتت من القصف الجوي الكثيف، وتملك القدرة على شل حركة ناقلات النفط عبر تكتيكات خاطفة.

وعلى الصعيد الصاروخي وسلاح الجو، رصدت أجهزة الاستخبارات الغربية نشاطاً مكثفاً في القواعد تحت الأرض المعروفة بـ"مدن الصواريخ" التابعة لقوات الجو-فضاء الإيرانية في المحافظات الجنوبية والوسطى.

وتؤكد التقارير المسربة أن طهران قامت بالفعل بتزويد صواريخها الباليستية متوسطة وبعيدة المدى، بالإضافة إلى منصات إطلاق الطائرات المسيرة الانقضاضية، بالوقود والمعدات التوجيهية اللازمة، ووضعتها في وضعية الاستعداد التشغيلي الفوري.

وكانت واشنطن وطهران قد وقعتا على وثيقة إطارية مكونة من 14 نقطة في السابع عشر من يونيو/حزيران الماضي بين الرئيسين ترامب وبزشكيان، لتكون بمثابة كابح دبلوماسي للمواجهات العسكرية التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط من العام الجاري إثر ضربات أمريكية وإسرائيلية منسقة استهدفت العمق الإيراني، وما تلاها من ردود مست حركة الملاحة والتجارة الدولية.

ونصت أبرز بنود الاتفاق على ميزان دقيق من الالتزامات المتبادلة؛ حيث تعهدت طهران بفتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية ودون فرض أي رسوم تنظيمية طوال فترة الهدنة، مقابل التزام واشنطن برفع حصارها البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.

واشنطن وإنهاك الاقتصاد الإيراني
وكان الهدف الجوهري من هذا الترتيب هو استغلال أسابيع التهدئة الثمانية للدخول في مفاوضات مكثفة تسعى لإبرام معاهدة سلام دائمة تعالج القضايا الاستراتيجية الكبرى، كالملف النووي ورفع العقوبات الشاملة، وهي المهلة التي استُنزفت بالكامل لتصل إلى خط النهاية اليوم، وسط ترقب دولي شديد لما ستسفر عنه الاتصالات المكثفة التي تجريها الأطراف الميسّرة في إسلام آباد ومسقط.

ويرى المحلل السياسي مهنا شتيوي، في تقييمه للموقف، أن المهلة الزمنية في اتفاقية الإطار تحولت عملياً من سقف حاسم إلى مجرد رقم رمزي لإدارة صراع ممتد، حيث تراهن واشنطن على إنهاك الاقتصاد الإيراني، بينما تحاول طهران استنزاف الإدارة الأمريكية سياسياً بالاعتماد على حلفائها الإقليميين والوسطاء.

ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن المعلومات الواردة من العاصمة الباكستانية إسلام آباد تفيد بأن الوسطاء يبذلون جهوداً حثيثة في الساعات الجارية لتقريب وجهات النظر لتفادي الانهيار الكامل.

ويضيف أنه، وبناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الحالية، فإن خيارات المرحلة المقبلة تنحصر في ثلاثة مسارات؛ يتمثل الأول منها في نجاح المساعي الباكستانية والقطرية في إقناع الطرفين بقبول تمديد فني للمفاوضات لفترة تراوح بين 30 و60 يوماً إضافية.

أما المسار الثاني، فيتضمن انقضاء المهلة اليوم دون صدور إعلان رسمي مشترك، والدخول في مرحلة "لا حرب ولا سلم"، بحيث تستمر الاتصالات غير المباشرة بالتزامن مع إعادة فرض واشنطن للحصار البحري الكامل وتشديد القيود الاقتصادية، في مقابل استمرار إيران في تقييد حرية الملاحة في هرمز، مما يعيد إنتاج حرب الاستنزاف.

وينذر المسار الثالث والأخير بالانهيار الشامل، عبر إعلان الأطراف رسمياً فشل تفاهمات إسلام آباد، وهو ما يعني إسقاط قيود العمليات العسكرية والعودة إلى خيارات القصف الجوي الواسع واستهداف البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية في إيران، مما سيؤدي إلى إغلاق كلي لمضيق هرمز ودخول المنطقة في حرب مفتوحة لا يمكن ضبط تداعياتها.

وختاماً، فإن الأنظار تتجه خلال الساعات القادمة إلى قنوات الاتصال لمعرفة ما إذا كانت المشاورات الجارية ستنجح في صياغة مخرج دبلوماسي بين الطرفين، أم أن المنطقة ستستيقظ مجدداً على مواجهة عسكرية جديدة.