أبواق "حزب الله" تستهدف شعبة المعلومات.. ومحاولات تطويق الخطة الأمنية في بيروت بدأت!

لم يعد اشتباك دويلة "حزب اللّه" وإعلامه مقتصرًا على مستوى اتهام خصومه من أحزاب وسياسيين بل ومسؤولين لبنانيين بـ "العمالة" تحت شعار "صهيوني"، فها هو ينزلق لمحاربة مؤسّسات الدولة اللبنانية نفسها، في أوضح صورة عن محاربة الدويلة للدولة، والتي تمثلت بحملة تحريضيّة على جهاز شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وتحديدًا فرع بيروت، لتنفيذه أمرًا قضائيًا، داخل شقة في الأشرفية، وصولًا لاتهام الشعبة "بالعمالة عبر تسريب داتا المواطنين لجهات خارجية"، لطلبها هويّات مواطنين لبنانيين! كلّ هذا ضمن حملة إعلامية تحريضية، تعيد للأذهان كراهية "حزب اللّه" المتأصّلة لشعبة المعلومات، منذ عهدي شهيدي الشعبة، وسام الحسن ووسام عيد.

وانطلقت الحملة التحريضيّة بشكل أساسيّ على منصة "المحطة" التي تدور في فلك خطاب "حزب اللّه"، وقادها الصحافيون: رضوان مرتضى، حسن عليق، وقاسم قاسم. وذهبت للتصويب بالشخصيّ على رئيس فرع معلومات بيروت الرائد رامي شقير وعناصر الفرع، وصولًا للتهديد بنشر رقم لوحة آلية للشعبة. (وهنا يطرح السؤال: تسريبها لمن وبأيّ هدف؟) وهو ما يجعلنا نسأل عن الدور الخفيّ للحملة، التي حاولت الإيحاء بأن شقير الذي ينفذ الإشارات القضائية، المتماهية مع الخطة الأمنية في بيروت، وقرار الحكومة حصر السلاح بسلاح الدولة، تعدّى على حقوق المواطنين وعمل لحساب جهات خارجية!

هكذا قلب إعلام "الحزب" السرديّة، من فضيحة اقتناء أجهزة "بايجر" في شقق ضمن مبانٍ سكنية في بيروت، بعد أيام فقط على الأربعاء الأسود، الذي ضرب عمق العاصمة، المناهضة بأكثرية ناخبيها الساحقة لسلاح "حزب اللّه"، إلى فضيحة "تصوير جهاز المعلومات أجهزة البايجر"!

في السياق، وعن تفتيش شقة في بيروت وطلب هويّات قاطنيها، تعلّق مصادر أمنية في حديثها لـ "نداء الوطن"، بالقول: "هذا بالكاد عمل فصيلة مخفر، وليس شيئًا يذكر مقارنة بصلاحيات شعبة المعلومات"، في حين تذهب مصادر أمنية أخرى للتلميح بأن خوف "حزب اللّه" الحقيقي هو من شكاوى مواطنين على قياديين قد يقطنون في مبانٍ سكنية في مناطق مختلطة أو ذات أكثرية سنية أو مسيحية في بيروت.

فما علاقة هذه الحملة التحريضيّة على معلومات بيروت، بمحاولات "الحزب" السيطرة على العاصمة عبر تحويلها "ضاحية ثانية"؟ وكيف تعلّق مصادر أمنية وكيف تعرّي سرديّة إعلام "حزب اللّه"؟

 كيف تُصنع السرديّة؟

صار ممنوعًا على الدّولة أن تصوّر رقم لوحة مواطن، لكن من العاديّ، أن يوزع رضوان مرتضى لوحة آلية تابعة لشعبة المعلومات في بيروت، قام عناصرها بتصوير لوحة سيارة هذا المواطن بإذن قضائيّ!

في بودكاست منصّة "المحطة"، يحتجّ مرتضى على عمل روتينيّ لشعبة معلومات بيروت، دخلت فيه شقة في الأشرفية، فيها نازحون جدد، يقول: "بيحكوا معن وبيستجوبوهن ما إلن بالحق يعملوها هيدي، أكيد هيدي المعلومات عم تُقدّم لأجهزة برا"، ليكمل حسن عليق بدوره سائلًا: "لمين عم يجمع هالداتا خصوصًا إنو اللي منعرفه، اللي إلن سلطة على رامي شقير رئيس فرع معلومات بيروت؟ (ويعدّد بدءًًا بوزير الداخلية أحمد الحجار مرورًا بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي رائد عبدللّه ورئيس شعبة المعلومات محمود قبرصلي...) ولا واحد منن طالب بهيدا الإجراء جمع معلومات عن نازحين"؟ في محاولة من عليق، للإيحاء بأن الرائد شقير ضابط يعمل لحسابه لا وفقًا للإشارات القضائية والخطة الأمنية في بيروت وقرار الحكومة بنزع السلاح فيها، وهي قرارات لا تأخذ غطاء من رئيس شعبة المعلومات العميد محمود قبرصلي وحده أو اللواء رائد عبدللّه أو الوزير أحمد الحجار وحسب، بل من الحكومة نفسها، بل وبمباركة من رئيس الجمهورية نفسه، الذي أكّد خلال اجتماع المجلس الأعلى للدفاع أمس الأوّل على الإجراءات الأمنية في بيروت، وكذلك فعل الوزير الحجار في جلسة الحكومة أمس!

إلّا أن أخطر ما في الحديث، هو القول الصريح من قبل عليق بأنه "هناك في الأجهزة اللبنانية اختراق كبير قبل أن نصل لمرحلة التنسيق الأمني مع إسرائيل"، ليكمل قاسم "ما بيعتبروا نفسن عم يتعاملوا إذا تواصلوا مع الأميركي".

ويستخلص مرتضى أنه "ما إلو حق جهاز أمني، بدل ما يجوا ليحموهن من اللي عم يتعدوا عليهم وهني الجيران". هكذا وجود "بايجر" في شقة في مبنى سكني في الأشرفية، وهو ما يقرّ به الثلاثة لكن ضمن سياق آخر، في محاولة للإيحاء بأن "البايجر" وجد في شقة أخرى، ليس هو المشكلة، بل تصوير جهاز أمني "للبايجر" والتقصّي عن قاطني الشقة!

وبعد نزوح أكثر من مليون لبناني، قامت غالبية بلديات المناطق المستقبلة للنزوح، بإجراءات صارمة على مستوى تأجير شقق ضمن نطاقها، بهدف حماية النازحين والسكّان في آن، لضمان عدم سكن قيادات لـ "الحزب" بين المدنيين، لا سيّما مع تكرار حوادث سقوط مدنيين في ضربات استهدفت قيادات حزبية، كضربة عين سعادة.

وإلى بيروت العاصمة وحدها، نزح قرابة نصف مليون من الضاحية والجنوب. على الرغم من أن الأربعاء الأسود، كلّف بيروت 7 ضربات وكشف استباحة "حزب اللّه" بيروت من بوابة "مستودع" كورنيش المزرعة... فإن كلّ هذه الأسباب لا ترتقي بمخاوف أهل المدينة، لتصبح مخاوف "منطقية"، تفترض التقصّي عن نازحين جدد برأي إعلام "حزب اللّه".

الخوف اللبناني ليس عاديًا ولا منطقيًا ولا طبيعيًا بالنسبة لمرتضى، عليق وقاسم، ودخول شعبة المعلومات في بيروت إلى شقة في الأشرفية وطلب هويات أصحابها، إجراء "غير قانوني، وغير منطقي، وغير طبيعي"، بل و "مسّ بحقوق المواطنين" وفق تعبيرهم.

إلّا أن الكلام لم يكن عابرًا في بودكاست، فالمنصّة طلبت من المواطنين الذين "يتعرّضون لأي تجاوز من قبل أي جهاز أمني أن يراسلنا عبر بريدنا الإلكتروني"، في محاولة من إعلام "الحزب" نفسه لتجميع بيانات حول عمل الأجهزة الأمنية!

وتختصر هذه الحملة التحريضيّة، أسلوب عمل إعلام "حزب اللّه": قلب السرديّة، فالتحريض على مؤسّسات الدولة، فتعطيل عمل تلك المؤسّسات.

وسرديّة قلب القصة، وصلت للقول إن "الأجهزة الأمنية مفروض تحميهن (أي قاطني الشقة في الأشرفية من النازحين الجدد) لأن عم يُتعدى عليهن من الجيران". فالجيران برأي المحاورين الثلاثة، "عم يتدخلوا بخصوصياتن".

والسؤال هنا: لو اشتكى سكان مبنى عين سعادة للقوى الأمنية من تردّد شخص مشبوه لمبناهم قبل موتهم، كان ليعتبر "تدخلًا بالخصوصيات"؟ ولو اشتكى سكان كورنيش المزرعة في بيروت على الهنغار المستهدف وشبهات ما يحتويه، كان ليعتبر "تدخلًا بالخصوصيات"، حتى لو كانت الكلفة موت مدنيين بسبب استهداف قياديين أو معدّات "للحزب"؟

هكذا بات "المنطقي" أن الجيران هم من تعدّوا، لأنهم لجأوا لدولة القانون، ليطمئنوا حول القاطنين الجدد في المبنى معهم، لا قياديي "حزب اللّه"، الذين لو لم يأخذوا الناس دروعًا بشرية، لما ارتفعت هواجس البيئات المضيفة.

الاتهام بالعمالة لتعطيل العمل المؤسّساتيّ

صلاحية مخفر... و "أنجأ"!

هكذا قلبت منصّة "المحطة" السرديّة، من إجراء روتيني عادي لشعبة معلومات بيروت، يحفظ أمن المدينة وأهلها ونازحيها، إلى تهمة بتسريب بيانات وصولًا للعمالة.

من جهتها، تقول مصادر أمنية، "ما شي من صلاحيات شعبة المعلومات يذكر بدخول الشقة، هيدي الإجراءات بالكاد ترقى لمستوى فصيلة درك".

مصادر أمنية أخرى، تذكّر بأن فرع المعلومات كضابطة عدلية "ما بيتصرف بلا إذن قضائي"، وبالتالي، فإن أي عملية مداهمة أو توقيف لا تحصل إلّا بإذن قضائي، واضعة هذه الهجمة في خانة أن "هذا الجهاز ينفذ الإذن القضائي كما هو، إذ عرف تاريخيًا بجرأته وكفاءته؛ وتطبيق القانون ودولة المؤسسات، أزعج - على ما يبدو - إعلام "حزب اللّه".

وإذا كان دخول الشقة في الأشرفية حصل بأمر قضائي، فإن طلب الهويات، "يأتي ضمن بديهيات العمل الأمني، فطلب نشرة أي شخص أو حتى تحدث عنصر أمني معه، لا يتمّ دون معرفة هويته، فهويته تخفف نصف الإجراءات الأمنية".

وعن "الخصوصية" تحديدًا، يعلّق المصدر "أمنيًا، من حق الدولة أن تعرف من يقطن هذه الشقة أو أي شقة أو منزل أو مستودع على كافة الأراضي اللبنانية، هذا حق يكفله قانون الملكية وقوانين الإيجارات في لبنان".

وتذهب المصادر أبعد من ذلك، بالقول :"لدى الاشتباه الأمني بأي شخص يمكن جلبه إلى المركز الأمني، وطلب النشرة له وتوقيفه إذا تبيّن أن عليه شيئًا". أمّا في حالة شقة الأشرفية، فالدولة ذهبت إلى الشقة علمًا أن لديها صلاحيات باستدعاء قاطنيها، ولو كانت هناك نية بالتوقيف لتمّ توقيفهم".

الخوف على قياديي "الحزب"...

وتضع المصادر، التصويب على شعبة المعلومات، في خانة خشية "حزب اللّه" من ذهاب الأجهزة الأمنية لبيوت يستأجرها مسؤولون في "حزب اللّه"، مع تصاعد وتيرة بلاغات الأهالي في المناطق.

التصويب على المعلومات 

ذكر اسم الرائد شقير وشعبة معلومات بيروت على وجه الخصوص، عدّة مرات من قبل عليق ومرتضى، لتطول الهجمة شقير بالشخصي وفرع معلومات بيروت على وجه الخصوص.

ومع اتهام شعبة المعلومات بالعمالة لجهات أجنبية، لأنها تطلب هويّات لبنانيين، يتضح استهزاء صحافيي "حزب اللّه" بعقول اللبنانيين.

لكن علاقة "حزب اللّه" بشعبة المعلومات تاريخيًا، تجعل هذه الهجمة التحريضيّة تتماهى مع خصومة "الحزب" لهذا الجهاز الأمني الذي يعدّ من الأجهزة الأكثر تطورًا تقنيًا وفنيًا، ومن أكثرها فعالية في التحقيقات في شبكات التجسّس والتحقيق في جرائم كبرى ومكافحة الإرهاب والمخدّرات، لا بل إنه دفع ثمن كفاءته ووطنيته دماء باغتيال الشهيدين رئيس الشعبة، وسام الحسن، والرائد وسام عيد، لدوره في كشف شبكات الاتصالات المتورّطة في اغتيال الشهيد رفيق الحريري.

ويبدو أن ذاكرة مرتضى، عليق وقاسم، تعطّلت، ونسوا من تكون شعبة المعلومات في لبنان. الشعبة التي أوقفت أكثر من 22 عميلًا إسرائيليًا داخل تنظيم "حزب اللّه" المسلّح، وشكرها الأمين العام السابق "للحزب" حسن نصراللّه نفسه على ذلك، وها هو هذا الثلاثي يتهمها بالعمالة!

فالمحور الذي يتباهى كتابه وإعلاميّوه وصحافيّوه بأن دويلتهم في لبنان، "أكلها وشربها ورواتبها وسلاحها كله من الجمهورية الإسلامية في إيران"، ليس غريبًا عليه أن يعتبر أي عمل أمني وطني يحفظ أمن بيروت وأهلها اليوم، ويخدم قيام الدولة اللبنانية، "عمالة". فلا مشروع لبنانيًا في قاموس دويلة "حزب اللّه".

"حزب اللّه"... وبيروت

ويحرص "حزب اللّه" على تطويق الرواية البيروتية ضد سلاحه، والتستر على السخط البيروتي ضده خصوصًا بعد أربعاء بيروت الأسود. ويحاول بالمقابل تعطيل قرار الحكومة حصر السلاح في بيروت، الذي دعمه مؤتمر نواب العاصمة "بيروت آمنة وخالية من السلاح".

لكن السخط بدأ يظهر بإغراق شوارع بيروت بيافطات تضامنية مع رئيس الحكومة نواف سلام، وتجلّى كذلك بتعليق صور داعمة لرئيس شعبة معلومات بيروت رامي شقير، ورئيس شعبة المعلومات العميد محمود قبرصلي، فبيروت قالت كلمتها: نريد الدولة لا الدويلة، نريد المشروع اللبناني لا المشروع الإيراني ولن نسكت بعد الآن أمام دويلة "حزب اللّه"!

أمّا حديث صحافيي "الحزب" عن "اختراق" في الأجهزة الأمنية، فهو أقسى مشهدية تختصر معركة الدويلة مع دولة المؤسسات: فحيث نخترقها في أحكام للمحكمة العسكرية على قياس "حزب اللّه"، تكون الأجهزة مرضيًا عليها، وحيث لا نخترقها في شعبة المعلومات، المعروفة تاريخيًا بفضحها ملفات فساد لتحرّرها من السطوة والاختراق السياسي، يصبح الانتماء الوطني اللبناني "اختراقًا"، لعجز "حزب اللّه" عن تطويعها.

فحيث تعمل الدولة لصالح لبنان وحده، يصبح لزامًا علينا التحريض عليها، هكذا يكون مشروع الدولة اللبنانية، عمالة بالنسبة لـ "حزب اللّه" وإعلامه الذي يأكل ويشرب بأموال إيرانية.