المصدر: النهار
الكاتب: طارق عزت دندش
الاثنين 18 أيار 2026 11:21:50
مشكلة "حزب الله" بالنسبة الى كثيرين من اللبنانيين ليست بامتلاكه السلاح فحسب، بل بالقرار الذي يتحكّم بهذا السلاح، وبالعقيدة الفكرية والسياسية المرتبطة بالمشروع الإيراني. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمواجهة إسرائيل أو بمفهوم المقاومة فحسب، بل بثقافة كاملة قائمة على فكرة "الثورة الدائمة" والعداء المستمر للغرب ولعدد كبير من الأنظمة السياسية والثقافات المختلفة، عبر شعاراتٍ مثل "الموت لأميركا" والتعامل مع كثير من مفاهيم الحداثة والانفتاح كأنها تهديد عقائدي أو أخلاقي.
هذه العقيدة، المرتبطة بالنظام الإيراني، لم تُبنَ على مفهوم "ولاية الفقيه" أو "تصدير الثورة" فحسب، بل أيضاً على ثقافة قائمة على العداء الدائم ورفع شعارات مثل "الموت لأميركا" واعتبار معظم الأنظمة الديموقراطية أو العلمانية أنظمةً منحرفة أو معادية. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الخطاب من خطاب سياسي إلى أسلوب حياة وثقافة اجتماعية انعكست حتى على تفاصيل الحياة اليومية، من طريقة التفكير إلى النظرة للفنون والانفتاح واللباس، بحيث بات بعض المظاهر الحديثة أو الغربية يُصوَّر على أنه بدع شيطانية أو تهديد أخلاقي وثقافي.
لكن لبنان بطبيعته ليس بلداً يُحكم بعقيدةٍ مغلقة أو بثقافة إلغاء الآخر. لبنان قام على التنوع، وعلى التعايش بين أنماط حياة مختلفة، وبين أفكار متعددة ومتناقضة أحياناً. وعندما تتحول أي جماعة إلى مشروع عقائدي يعتبر نفسه فوق المجتمع والدولة، يصبح الصدام الداخلي حتمياً مهما حاول البعض تجميل الصورة أو تبريرها بالشعارات.
كثيرون من شيعة لبنان اليوم لا يريدون العداء مع العالم، ولا يريدون أن يُختصروا بثقافة الحرب والموت والشعارات النارية. هم يريدون دولةً طبيعية، وجامعات وفرص عمل واستقراراً وانفتاحاً وعيشاً كريماً. يريدون أن يكون انتماؤهم للبنان أولاً، لا أن يبقوا أسرى صراعات إقليمية تُستخدم فيها الطائفة وقوداً لمعارك أكبر منها.
ولو تحوّلت هذه الثقافة من ثقافة "الموت" إلى ثقافة "الحياة"، ومن منطق الثورة الدائمة إلى منطق الدولة، ومن عقلية العداء إلى عقلية الشراكة والانفتاح، لكان من الممكن أن يصبح التعايش أسهل بكثير، وأن يشعر اللبنانيون أن هذا المكوّن جزء طبيعي من مشروع الدولة لا مشروعاً موازياً لها.
فالأمم لا تُبنى بالشعارات الحربية وحدها، ولا تستمر بالعزلة والقطيعة مع العالم، بل تُبنى بالعلم والاقتصاد والانفتاح واحترام الإنسان وحقه في الحياة الكريمة. والتاريخ أثبت أن أي فكر يقدّس الصدام أكثر من الاستقرار، ويستثمر في الموت أكثر من الحياة، يصل في النهاية إلى طريق مسدود مهما امتلك من قوة.