المصدر: نداء الوطن
الكاتب: رماح الهاشم
الخميس 9 نيسان 2026 06:24:31
لم تكن الأسواق التجارية اللبنانية يومًا في أفضل حالاتها، فهي طوال السنوات الماضية عانت من تحديات متعدّدة، بدءًا من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، والتقلبات المستمرة في سعر الصرف، وصولًا إلى الأزمات السياسية والمالية المتلاحقة. ورغم هذه الصعوبات، كانت الحركة التجارية تحتفظ ببعض الحيوية، مدفوعة برغبة المواطنين في تلبية احتياجاتهم الأساسية، وإبقاء نمط حياتهم اليومية على أقل تقدير من الاستقرار.
حتى قبل السنوات الأخيرة، كانت الأسواق التجارية تواجه ضغوطًا مستمرة، إلّا أن المواطن كان يجد طرقًا للتكيّف، من خلال تحديد أولويات الشراء والاعتماد على الاحتياجات الضرورية مع بعض الاستثناءات للكماليات. محلات الملابس والإكسسوارات، والأحذية، والهواتف المحمولة كانت تشهد تدفقًا معتدلًا للزبائن، حتى وإن كان بوتيرة أبطأ مقارنة بما قبل الأزمة الاقتصادية.
لكن التطورات الأخيرة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، جاءت لتزيد الأزمة تعقيدًا. الحرب المستمرة، التوترات الأمنية، الانقطاعات في سلاسل التوريد، والارتفاع العالمي في أسعار السلع الأساسية، أدت إلى شلّ جزء كبير من الحركة التجارية. ما كان يبدو سابقًا تحديًا يمكن تجاوزه أصبح اليوم عائقًا شبه مستحيل، حيث بات المواطن اللبناني مضطرًا إلى إعادة ترتيب أولوياته بالكامل.
في ظل هذه الظروف، أصبح من الصعب على الأسواق أن تحتفظ بالحيوية، إذ أصبح تركيز المواطن منصبًا على تأمين لقمة العيش فقط، مع تجاهل أي رغبة في التجديد أو الترفيه أو اقتناء الكماليات. حتى القطاعات التي كانت تعتمد على الإقبال النسبي، مثل محلات الملابس، الإكسسوارات، الأحذية، والهواتف المحمولة، شهدت انكماشًا حادًا في الحركة الشرائية، لتصبح الضرورات اليومية هي الشغل الشاغل للمواطن.
تراجع المبيعات في القطاعات
تشير شهادات أصحاب محلات الألبسة إلى أن "السوق يعاني من انكماش كبير في الحركة الشرائية. فقد أصبح المواطن يختار بعناية فائقة ما سيشتريه، ويركز على القطع الضرورية فقط".
أحد أصحاب المحلات في بيروت، يقول: "المبيعات تراجعت بنسبة تصل إلى 70 %، والزبائن يأتون فقط لشراء ما لا غنى عنه. حتى الملابس للأطفال أصبحت رفاهية يصعب على العائلات تحملها".
وفي قطاع الإلكترونيات، شهدت محلات الهواتف انخفاضًا مماثلًا في المبيعات. أحد البائعين أوضح: "لم يعد المواطن يشتري هاتفًا إلا إذا انكسر الهاتف القديم أو تلف، وليس لمجرد التجديد أو اقتناء موديل جديد. أي فكرة عن الإكسسوارات الحديثة أو الموديلات الجديدة أصبحت شبه معدومة".
أما محلات الأحذية والإكسسوارات، فتشير إلى أن "البيع أصبح مقتصرًا على الضرورات". صاحب أحد المحلات يقول: "الزبائن يأتون لشراء الحاجات الضرورية فقط، بينما أي حذاء جديد أو قطعة إكسسوار لا يحظيان بأي اهتمام".
حتى الجمال ليس مستثنى
لم يقتصر الركود على الملابس والإكسسوارات والأحذية، بل امتد إلى قطاع صالونات التجميل ومستحضرات العناية الشخصية، والذي يُعرف عادةً بأن المرأة اللبنانية تهتم فيه بمظهرها بشكل مستمر. شهدت هذه الصالونات انخفاضًا ملحوظًا في أعداد الزبائن، حيث تقول إحدى صاحبات الصالونات: "الزبائن يأتين فقط للضرورة، مثل قص الشعر أو علاج محدد للبشرة، أما الخدمات التجميلية الفاخرة مثل صبغات الشعر المعقدة أو العناية بالأظافر أصبحت شبه متوقفة".
تضيف: "حتى النساء اللاتي اعتدن على العناية الدورية بأنفسهن بات معظمهن يحصرن الإنفاق في الضروريات فقط، لأن الميزانية لا تتحمل أي رفاهية إضافية".
هذا الانخفاض في الاهتمام بالمظهر يعكس مدى عمق الأزمة الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية، بحيث لم يعد حتى ما كان يُعتبر أساسيًا للعديد من النساء محل اهتمام دائم، وأصبح مقتصرًا على الحد الأدنى فقط.
الغلاء العالمي
يضاف إلى الأزمة المحلية ارتفاع أسعار السلع عالميًا، مما أثر بشكل مباشر على السوق اللبنانية. المواطن بات يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين الأساسيات والكماليات، حيث ارتفعت تكلفة المنتجات المستوردة بشكل كبير، بما في ذلك الملابس، الإلكترونيات، والأحذية.
موظف في القطاع الخاص يقول: "راتبي بالكاد يغطي الاحتياجات اليومية. لم يعد هناك مجال لأي مصاريف إضافية".
ربة منزل تشير: "نحسب كل ليرة قبل الشراء، حتى الغذاء أصبح محسوبًا بدقة، والملابس والأحذية للأطفال أصبحت رفاهية نشتريها عند الضرورة فقط".
إن الوضع الراهن يعكس انكماشًا اقتصاديًا حادًا وتأثرًا كبيرًا بالظروف المحلية والإقليمية، حيث أصبح التركيز منصبًا على الضروريات فقط، فيما تراجعت القوة الشرائية للمواطن بشكل ملحوظ. الأسواق التي كانت تعاني سابقًا لم تكن في أفضل حال، لكنها كانت قادرة على الصمود، بينما الأحداث الأخيرة قتلت الحركة التجارية تقريبًا، وجعلت البقاء على قيد الحياة المالي أولوية المواطن الأساسية.
هذا الواقع يشكّل تحديًا كبيرًا للاقتصاد اللبناني، ويضع ضغوطًا هائلة على الشركات والمحلات التجارية، التي تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب استراتيجيات البيع والتسويق، في محاولة للبقاء ضمن سوق مقيد بالأساسيات فقط، وسط تآكل القدرة الشرائية واستنزاف القوة الشرائية للمواطنين.